الخميس، 19 مايو 2016

الحق في الحياة : تقريره وضماناته وانتهاكاته في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية . إعداد : محمد أبوغدير المحامي

الحق في الحياة : تقريره وضماناته وانتهاكاته
في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية   .

إعداد : محمد أبوغدير المحامي

الحق في الحياة من أجل حقوق الإنسان الأساسية ، بل هو الحق الأكثر أهمية على الإطلاق ، لأنه رأس المال الحقيقي للإنسان ، والهبة العظيمة التي منحها الله له تكريما وتفضيلا له على كثير من مخلوقاته ، نجد أن الشريعة الإسلامية أقرت الحق في الحياة على رأس كافة حقوق الإنسان وقاوله تعالى : { ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب “ . وهو حق طبيعي لجميع الناس بحكم أدميتهم لا تمنحه دولة أو مجتمع وإنما تقتصر مهمتها على الاعتراف به، إذ لا يمكن إلغاؤه أو التنازل عنه تحت أي ظرف أو ضرورة  .
وفي هذه السطور سنبين تقرير هذا الحق ، تقريره وضماناته وانتهاكاته وذلك من خلال المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية   .

أولا : تقرير الحق في الحياة في المواثيق الدولية  الشريعة الإسلامية :

أ - تقرير حق الحياة في المواثيق الدولية  :

ولقد كرسـت الشرعة الدولية الحق في الحياة في وثائق أممية عديدة هي : الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية و البرتوكول الاختياري الثاني الملحق به ، وبيان ذلك في الآتي :
1. في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1948: بعد أن نصت المادة الأولى من هذا الإعلان على أن جميع الناس يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق قررت المادة الثالثة منه الحق في الحياة فنصت على أنه : ( لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية         البدنية ) .
2. كما يحمي القانون الإنساني الدولي حق الفرد في عدم حرمانه من الحياة تعسفا.  وتحظر المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع "في جميع الأوقات والأماكن...الاعتداء علي الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله" ضد الأشخاص الذين لا يشتركون اشتراكا فعليا في نزاع مسلح لا يتسم بطابع دولي.
3. وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  الصادر في عام  1966 وفي المادة السادسة منه قررت الحق في الحياة ، بأن نصت في الفقرة الأولى على أن : ( الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان ،  وأنه على القانون الوطني  أن يحمى هذا الحق ، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا ) .
4. وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  الصادر في عام  1966 وفي المادة السادسة منه قررت الحق في الحياة ، بأن نصت في الفقرة الأولى على أن : ( الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان ،  وأنه على القانون الوطني  أن يحمى هذا الحق ، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا ) .

ب - تقرير حق الحياة في الشريعة الإسلامية :

إن الحياة في الإسلام  مصونة والنفس البشرية من الكليات الخمس التي هي أسمى ما يجب الحفاظ عليه في الشريعة الإسلامية ، وجاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تقرر هذا الحق وتحميه :

من القرآن الكريم :
1. قال تعالى : {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32
2. و حرم الإسلام الوأد، الذي كان معروفا عند بعض قبائل العرب بالنسبة للبنات {وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ  بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ }التكوير9 .
3. وبلغ من عناية الإسلام بهذا الحق أن توعد منتهكه بالخلود في نار جهنم ، فقال الله تعالى { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } النساء93

ومن السنة النبوية :
1. ما ورد في حجة الوداع ، تلك الخطبة الجامعة التي أعلن فيها الرسول الكريم حرمة الدماء والأموال والأعراض تحريم إلهي قاطع، حيث قال : " فإن الله تبارك وتعالى قد حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت" ثلاثاً " صحيح البخاري ، باب ظهر المؤمن حمى إلا حد و حق .
2. وفي تأكيد أن حرمة حق الحياة من حرمة الدين  ، روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )   .

ثانيا : ضمانات وكفالة الحق في الحياة في المواثيق الدولية  الشريعة الإسلامية :

أ - ضمانات وكفالة حق الحياة المواثيق الدولية  :

في مجال ضمانات وكفالة حق الحياة في المواثيق الدولية ، نصت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الفقرات من الثانية حتى السادسة الإجراءات الآتية :
1. حظرت على البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام ، أن تحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ، ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة .
2. أنه في حالة كون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية ، فإنه يحظر على أي دولة طرفا في هذا العهد أن تعفى نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتبا عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
3. أن لكل من حكم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة. ويجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات.
4. عدم جواز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفيذ هذه العقوبة بالحوامل.
5. حظرت على أية دولة طرف في هذا العهد التذرع بهذه المادة الامتناع عن إلغاء عقوبة الإعدام أو التأخير في تنفيذه ذلك .
6. ومن ضمانات حق الحياة وكفالته أيضا ما نص القانون الأساسي لمنظمة العفو الدولية ، في المادة الأولى منه أن من ضمن أهدافها معارضة إعدام الأشخاص خارج نطاق القضاء , سواء أكانوا من السجناء أو المعتقلين ، أو ممن فرضت القيود على حريتهم أم لا  .

ب - ضمانات وكفالة حق الحياة في الشريعة الإسلامية:

1- تحريم قتل الإنسان : قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ} [الأنعام:151] .
2- سد الذرائع المؤدية للقتل : ومن صورها :
• تحريم حمل السلاح على المسلمين : روى مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وســلم : ( من حمل علينا السلاح فليس منا ) ، وقال ابن دقيق العيد: " فيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه " .
• تحريم مقاتلة المسلمين : روى مسام عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) .
3- القصاص في القتل : قال تعالى: { أَيُّهَا الذِينَ امنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } البقرة:178 .
وقال عز وجل: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاٰةٌ يا أُولِي ٱلألْبَاٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }  البقرة:179.
4- تحريم الانتحار : روى البخاري ومســـلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وســـلم قال : ( من تردى من جبل فَقَتَلَ نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سُماً فقتل نفسه، فسُمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) .  .
5- تحريم قتل الجنين : قال تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا }  الإسراء:31 .
6- إيجاب الضمان في قتل الجنين : روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بغرة عبد أو أمة )

ثالثا : القصاص وعقوبة الإعدام ضمان للحق في الحياة :

القصاص في الشريعة الإسلامية هو اقوي ضمان لحق الحياة ، ولا ينال منها بتاتا، ذلك أن القصاص حد القتل ، وما شرعت الحدود في الإسلام إلا لحماية حقوق الإنسان وحرياته ، فهي العقوبات المحددة المنصوص عليها من الله - سبحانه وتعالى - والتي يعتبر تنفيذها عبادة ، إذا تأملنا فيها - إلا لحماية هذه الحقوق ،  فحد القصاص شرع لحماية حق الحياة ، حد الحرابة لحماية حق الأمن الاجتماعي ، وحد السرقة لحماية حق التملك ، وحد الزنا لحماية حق النسل وبناء الحياة الاجتماعية  ، وحد القذف لحماية حق الفكر والإرادة   وحماية العقل مما يغتاله من الخمر والمخدرات .

فالحقوق دين ، والاعتداء عليها جريمة ، وعقوبة المعتدي حدية لا مجال فيها للاجتهاد ، لذلك لا يصح القول أن القصاص بقتل الجاني تعدي على حق الحياة لأن المشرع للحد هو الله الذي خلق الإنسان هو أعلم بالحقوق والتشريعات التي تحقق له الســعادة والمصلحة ، قال - تعالى - : ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الملك :14 وصدق الله القائل : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ ) [البقــرة:179]
وإذا كان القصاص يعني إعدام الجاني فإن عقوبة الإعدام لها المعنى قد نصت الشرائع السماوية عليها كوسيلة لمنع الجرائم و الحفاظ على حياة الناس و أموالهم و أعراضهم ، ففي الشريعة الموسوية ورد في الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج ما نصه : أن من ضرب إنسانا فمات فليقتل قتلا ، وإذا بغى رجل على آخر فقتله اغتيالا فمن قدام مذبحي تأخذه ليقتل ، ومن ضرب أباه و أمه يقتل قتلا ، وإن حصلت أذية فأعط نفسا بنفس وعينا بعين و سنا بسن .

رابعا : انتهاكات الحق في الحياة في المواثيق الدولية:

ويشكل انتهاكات الحق في الحياة الجرائم الآتية :  الإعدام التعسفي  ، الإبادة الجماعية ، محاولة القيام بإعدام تعسفي ، التهديد بالموت .

1. الإعدام التعسفي :

تعريف الإعدام التعسفي :
هو قتل شخص على يد وكيل للدولة أو أي شخص آخر يعمل تحت سلطة الحكومة أو بتواطئها معهم  أو تغاضيها عن أفعالهم أو قبولها ولكن بدون أي عملية قضائية أو بدون عملية قضائية مناسبة.
وحالات الإعدام  المنبثقة عن حكم بالإعدام صادر عن محكمة هي أيضا حالات إعدام تعسفي إذا لم تُحترم ضمانات المحاكمة المنصفة المنصوص عليها في المادتين 14 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
حالات الإعدام التعسفي :
وهي التي تختلف عن حالات الإعدام بعد محاكمة منصفة) هي في كثير من الأحيان أعمال قتل ترتكب في ظروف مشبوهة وتتسم بما يلي:
• الوفاة التي تقع في حال وجود الشخص في قبضة الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (كأن يكون مثلا محتجزا من قبل الشرطة) أو  الموظفين العموميين أو الأشخاص الآخرين  العاملين بصفة رسمية.
• الوفاة التي تقع في ظروف لم يجر فيها تحقيق رسمي.  ولم  تُجر السلطات تشريحا لجثة الضحية أو لم تتخذ الخطوات اللازمة للحصول على أدلة ذات صلة (تقريرا طبيا أو علامات على وقوع تعذيب سابق، الخ).
• أعمال القتل التي تُقترف لأسباب سياسية وحالات الوفاة   الناجمة عن التعذيب أو غير ذلك من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة وأعمال القتل في أعقاب الاختطاف أو الاختفاء القسري في حالة توفر الشروط المذكورة.

2 . الإبادة الجماعية :

تعريف جريمة الإبادة الجماعية
تحدد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 من الدول أن "تعاقب على الإبادة الجماعية سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب"  (المادة1).
وتحدد الاتفاقية الإبادة الجماعية على أنها ارتكاب أحد الأفعال التالية، علي قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية:
• قتل أعضاء من الجماعة،
• إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة،
• إخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا .
• فرض تدابير تستهدف الحرمان من إنجاب الأطفال داخل الجماعة،
• نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلي جماعة أخري.
وينبغي ملاحظة أن الإبادة الجماعية لا تتطلب القتل، ولكنها قد تشمل الإجراءات الأخرى المحددة في الاتفاقية إذا ارتكبت بقصد الإبادة الجماعية، وبخاصة إذا انطوت على إبادة أعداد كبيرة من الأشخاص.

3 . محاولة الإعدام التعسفي :

تشكل محاولة القيام بإعدام تعسفي، والتي تفشل لأسباب  تتجاوز النية الأولية لواحد أو أكثر من وكلاء الحكومة، محاولة للإعدام التعسفي.
وينبغي أن  تكون جميع هذه المحاولات موضع تحقيق مع أخذ  العناصر التالية في الاعتبار :
• النشاط السياسي أو النقابي أو الديني أو الاجتماعي الذي يمارسه الشخص الضحية.
•  وظيفة أو نطاق نشاط الشخص المفترض قيامه بمحاولة الإعدام التعسفي.
• أي تحريض أو تحرش أو تهديد أو مطاردة يكون قد تعرض لها الضحية أو أقاربه قبل محاولة الإعدام.
• استعمال، عند الشروع في القتل، وسيلة من شأنها تحقيق النتيجة المطلوبة.
• شكل ووسيلة محاولة الإعدام.

4 .  التهديدات بالموت :

تعريف التهديد بالموت :
هو أي عمل أو قول صريح أو ضمني قد يبث في نفس شخص خوفا  له ما يبرره بالوقوع ضحية لإعدام تعسفي.
وينبغي للناشط الحقوقي تكريس انتباههم إلى التهديدات بالقتل:
• الصادرة عن أفراد القوات المسلحة أو أي مؤسسات عامة أخرى؛
• الصادرة عن أفراد أو جماعات شبه عسكرية متصلة بالسلطات أو تعمل بالتواطؤ معها أو بموافقتها الضمنية؛
• حيثما كان هناك سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه التهديدات تشكل جزءا من ممارسة للإعدام التعسفي؛ وعندما يكون التهديد دقيقا وإذا كان هناك سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن التهديد سيعقبه إجراء.
وينبغي للناشط الحقوقي أن يولي أولوية لأجراء تحقيقات في الحالات التي يوجد فيها ما يعرض الحياة للخطر.  وينبغي أن تسعى التحقيقات إلى تقرير وجود إعدام تعسفي أو محاولة إعدام تعسفي أو تهديد بالموت عن طريق تحديد عناصر الانتهاكات .

الأربعاء، 18 مايو 2016

العدالة الإجرائية في الفقه الإسلامي أ.د. أحمد عوض هندى أستاذ قانون المرافعات

العدالة الإجرائية في الفقه الإسلامي

أ.د. أحمد عوض هندى أستاذ قانون المرافعات
عميد كلية الحقوق - جامعة الاسكندرية سابقاً  



1- مفهوم العدالة وأهميتها وصورها :

 يتمثل العدل فى وضع الشيء فى موضعه وهو ضد الظلم ، والعدل فى الحكم هو تحرى المساواة والمماثلة بين الخصمين ( ) أو هو اعطاء كل ذى حق حقه أو اعطاء كل شخص ما يستحقه ، فجوهر العدالة هو حصول كل إنسان على حقه مما يحقق التوازن بين مصالح أفراد المجتمع ويكفل الاستقرار للمجتمع وتقدمه ، فالنظام لا يستقر فى أى مجتمع دون عدالة ( ) . فمن أهم مقاصد الشريعة الاسلامية - وكذلك القانون الوضعى- تحقيق العدل بين أفراد المجتمع ، مع إقرار النظام فيه ( ) فالمقصد الذى تدور حوله عامة أحكام التشريع الاسلامى أو أصوله هو العدل ، وخاصة فى التشريع الجنائى أو الاجرائى الاسلامى ، ذلك أن أحكام الشريعة أوامر ونواه ولكل أمر أو نهى جزاء ، والعدل لا ينفك عن الجزاء ، لذلك درج الفقهاء على القول أن العدل عماد الشريعة ، كما أن التوحيد عماد العقيدة ، والعدل مركوز فى الفطرة الإنسانية ولذلك فالشرائع كلها تقره ولا تقرره أى أنها تنزل على حكمه ولا تنشئه ، وإذا كان للجسد حواس فللعقل مثلها ، ومن هذه الحواس حاسة العدالة ، ولما كان الاسلام دين الفطرة فمن الطبيعى أن تكون أحكامه أكثر انسجاماً مع فكرة العدل ( ).
 وإذا كان اعطاء كل صاحب حق حقه بصورة مطلقة هو العدل وعكس ذلك هو الظلم (الذى هو الجور ومجاوزة الحد ووضع الشيء فى غير موضعه) ( ) ، فإن اعطاء الأفراد حقوقهم على ضوء الظروف والأحوال والملابسات الخاصة لكل منهم يمثل العدالة ، فالعدل (الذى هو أحد أسماء الله الحسنى) ، وهو مقصد الشريعة والقانون والناس كافة ، وهو مطلق ، هو أمر إن كان الجميع يبحث عنه إلا انه غاية صعبة المنال ، لذلك يحاول الكل تحقيق العدالة - التي تحرص على أن يحصل الانسان على ما يستحقه  على ضوء ظروفه وأحواله وظروف وأحوال غيره فى المجتمع .
 ولاشك أن للعدالة أهميتها ، إذ بدونها يشعر الأفراد بالظلم ، مما يدفعهم إلى الحقد على غيرهم وعدم احترام النظام والقانون فى المجتمع ، ويكون ذلك سبباً قوياً لانهيار النظام والأمن فى أى دولة . فإذا كان النظام لا غنى عنه لبقاء المجتمع وتقدمه، إلا أن تحقيق هذا النظام فى المجتمع لا يمكن أن يتم دون تحقيق العدل . وتنهار الدول ، أو يعيش أفرادها أشقياء ، إذا لم تحقق العدل بين أفراد المجتمع .
 وللعدالة صور كثيرة : ومن أهم صورها العدالة الموضوعية والعدالة الاجرائية، فالقواعد التى تنظم حياة الأشخاص وحقوقهم وواجباتهم ، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الجنائية ، هى قواعد ترمى - فى الأصل - إلى تحقيق العدالة الموضوعية ، أى العدالة فى حقوق أفراد المجتمع ، بحيث لا يحصل فرد على أكثر أو أقل من حقه . على أنه لا تكفى القواعد الموضوعية التى تقرر للأشخاص حقوقاً متساوية ، لقيام العدالة ، وإنما يجب أن تكون هناك قواعد إجرائية - تكفل حماية هذه الحقوق إذا تم الاعتداء عليها . ذلك أن الحق دون حماية لا قيمة له. وهذه الحماية تتم من خلال القضاء فى الدولة ، حيث توجد القواعد التى تنظم اجراءات التقاضى فى الدولة ، وهذه القواعد يجب أن تستهدف تحقيق العدل بين الأفراد، فيتم تنظيم الاجراءات المتبعة أمام المحاكم بصورة تضمن أن يحصل كل صاحب حق على حقه ، دون خطر ضياع هذا الحق أو انتقاصه . ولا قيمة للقواعد التى ترسى العدالة الموضوعية دون القواعد التى تكفل تحقيق العدالة الاجرائية ، فهذه القواعد الأخيرة هى السياج الذى يحمى حقوق الأفراد ويضمنها .

2- ضرورة أن تكون العدالة ناجزة :

 لا يكفى - لضمان حقوق الأفراد - تحقيق العدالة ، بأن يحصل كل صاحب على حقه ، وإنما يجب أن تكون هذه العدالة عدالة ناجزة ، أى أن يحصل صاحب الحق على حقه بسرعة ، أو فى وقت مناسب أو ملائم أى دون تأخير . فينبغى العمل على سرعة تحقيق العدالة حتى تستقر الحقوق لأصحابها ولردع المعتدين وحتى يسود الأمن فى المجتمع . أى يجب سرعة دفع الاعتداءات على الحقوق حتى لا يلجأ الأفراد للقصاص الخاص وحتى يكون فى أحكام القضاء إشباع كامل وسريع لرغبات وحريات الأفراد .
 فالعدالة البطيئة (وهى شائعة الآن فى مختلف الدول) وإن كانت تؤدى فى النهاية إلى حصول صاحب الحق على حقه ودفع الاعتداء ، إلا أنها معيبة لأنها لا تحقق الاشباع الكامل لحقوق المتقاضين ، حيث أن صاحب الحق يرمى، من الالتجاء إلى القضاء ، إلى رد الاعتداء على حقه والحصول على هذا الحق دون انتقاص وبطريقة سهلة ميسرة ودون أعباء مالية أو عوائق اجرائية . وإذا لم يتحقق له ذلك فإنه يعانى فى سبيل الحصول على حقه ، الذى إن حصل عليه فى النهاية فإن ذلك يكون بعد فترة طويلة (تزيد أحياناً على عشر سنوات) منقوصاً (لتآكل قيمة الحق مع الزمن) وبشق الأنفس ، بل أن حقه يتهدده الضياع بسبب طول الاجراءات وتعقدها وتعسف الخصم وسلبية القضاة ، وهو ما يشعره فى النهاية بالظلم ، لذلك قيل بحق أن العدالة البطيئة نوع من الظلم .
 لذلك ، وحرصاً على حصول كل صاحب حق على حقه ، يجب أن تكون اجراءات التقاضى ميسرة وغير مكلفة ، وبسيطة ، بحيث يحصل صاحب الحق على ما يستحقه فى وقت قصير (يجب إلا يزيد على سنة ، كما يحدث فى أغلب دول العالم) وسبب بطء التقاضى هو العيوب التى تعترى اجراءات التقاضى ، أو تعيب العدالة الاجرائية ، فليس العيب فى قواعد العدالة الموضوعية ، وإنما السبب الرئيسى فى تأخر حصول صاحب الحق على حقه هو طول اجراءات التقاضى وتعقدها ، لذلك من الضرورة أن تكون هذه الاجراءات بسيطة وسريعة حتى تساهم الاجراءات فى حصول صاحب الحق على حقه فى وقت مناسب ، فالإجراءات ما هى إلا وسيلة لحماية الحق ولا ينبغى أن تكون بأى حال سبباً فى ضياع هذا الحق أو انتقاص قيمته.
 وحتى يحصل صاحب الحق على حقه ، فى وقت مناسب ، يجب أن تكون العدالة عدالة ناجزة أى سريعة وبسيطة وهو ما تكفله القواعد التى تنظم اجراءات التقاضى أى قواعد العدالة الاجرائية . وحتى تتحقق العدالة الاجرائية على هذا النحو، يجب احترام المبادئ الاجرائية الأساسية التى تحكم اجراءات التقاضى ، كما ينبغى تبسيط الاجراءات المتبعة أمام القضاء ، بالإضافة إلى استحداث نظم تساهم فى سرعة تحقيق العدالة . ونعرض لهذه الأمور الثلاثة فى الواقع الذى تعيشه أغلب الدول الاسلامية ثم فى الفقه الاسلامى .

3- المبادئ التى تساهم فى تحقيق العدالة الإجرائية :

 تحكم الاجراءات أمام القضاء مبادئ هامة تضمن تحقيق العدالة فى التقاضى، وهى مبادئ أساسية تلتزم بها الدول فى قوانينها ويلتزم القضاة باحترامها حتى دون النص عليها ، إذ أنها مبادئ قرينة العدالة ، أى انها مبادئ ضرورية لتحقيق العدالة الاجرائية سواء أمام القضاء أو التحكيم أو غيرهما من طرق فض المنازعات ، ولا يستقيم القضاء - أو التحكيم - بدونها . وأهم هذه المبادئ مبدأ المواجهة ، ومبدأ المساواة ومبدأ العلانية ، ومبدأ احترام حق الدفاع ومبدأ التقاضى على درجتين .
 ومبدأ المواجهة يعنى أن تتخذ جميع الاجراءات فى مواجهة الخصوم (أطراف الدعوى) بحيث يعلمون بها عن طريق اجرائها فى حضورهم - كإبداء الطلبات وإجراء التحقيق - أو عن طريق اعلانهم بها أو تمكينهم من الاطلاع عليها ومناقشاتها. ويجب احتراما لهذا المبدأ تمكين الخصم من الحضور - بإعلانه - لإبداء دفاعه وسماع وجهة نظره ، فالعدالة تقضى بعدم جواز الحكم على انسان من غير سماع اقواله ،وهو ما يستلزم أن القاضى لا يمكن أن يحكم دون سماع جميع الاطراف، فبغير سماعهم لا يمكنه معرفة الحقيقة ، كما أن من حق كل خصم أن يبلغ بالأوراق التى يقدمها الخصم الاخر للمحكمة ويبدى ملاحظاته عليها، وهو ما يقتضى ايضاً أن ادلة اثبات الحق يتولاها الخصوم ، فليس للقاضى أن يقضى بعلمه. ومبدأ المواجهة هو حجر الزاوية فى الاجراءات وهو الضمانة الاساسية لكل عنصر يمكن أن يوصف بالعدل ، فإذا غابت المواجهة غابت العدالة ( ) .
 ومن المبادئ الاجرائية الهامة والتى تقتضيها العدالة الاجرائية مبدأ المساواة أمام القضاء ، إذ به تتحقق ثقة الناس فى القضاء ويصبح موضع طمأنينتهم ، بل أن المساواة هى اول لبنة يقوم عليها أي صرح قضائي عادل ، ذلك انها تتفق وما فطر عليه الانسان. وحتى تتحقق المساواة يلزم : أن يكون لكل مواطن الحق فى الالتجاء إلى القضاء ، كما يلزم عدم التمييز بين المتقاضين واحترام حق كل مواطن فى الالتجاء إلى قاضيه الطبيعى ( ). فعلى القاضى أن يساوي بين الخصمين فى جميع الحقوق والإجراءات التى يتخذها، وان يستمع اليهم جميعاً ويعطيهم كل الفرص الممكنة لعرض وجهة نظرهم وتقديم أدلتهم ومناقشتها معهم ، وألا يفرق فى معاملة كل منهم ، سواء فى جلسات المحكمة أو فى فحصه للأوراق والمستندات وأدلة كل خصم أو فى اصداره لحكمه ، وان يحرص على أن يعطى صاحب الحق حقه .
 كذلك من المبادئ الإجرائية الأساسية التى تقترن بالعدالة الاجرائية مبدأ العلانية ، وهو يعنى أن القضاء يجب أن ينظر الدعاوى فى جلسات علنية يسمح فيها بالحضور لكل شخص ، وان يتم تحقيق الدعوى والمرافعة فيها فى جلسات يتاح لعامة الشعب - من يريد - أن يحضرها فى قاعات مفتوحة ، دون أن تغلق فى وجه أحد. وهو ما يقتضى أيضا النطق بالحكم فى جلسة علنية ، وأن يسمح بنشر المناقشات والمرافعات ومنطوق الأحكام فى الصحف وسائر وسائل الاعلام ، كما أن مبدأ العلانية يقتضى أن يسبب القاضى حكمه ، أى أن يذكر أدلته القانونية والواقعية. وهذه العلانية تكفل حسن آداء القاضى لعمله وتؤكد نزاهته ، كما تثبت فى نفوس المتقاضى الثقة والطمأنينة فى عمل القاضى وتكفل للرأى العام مراقبة عمل القاضى( ).
 أيضاً من أهم المبادئ والحقوق الاجرائية مبدأ احترام حق الدفاع ، فعلى القاضى أن يُمَّكن كل خصم من تقديم دفاعه بالصورة التى يراها ، شفاهة (بالمرافعة) أو كتابة (بتقديم مذكرات ومستندات) أو من خلال الاستعانة بمحام ، يساعده فى عرض وجهة نظره ، يكون افصح لساناً من الخصم وأقدر منه على عرض حقه وأدلته ومناقشة الخصم الآخر ، كما يلزم السماح للخصم بتقديم كافة الدفوع التى يرى تقديمها وكذلك أوجه الدفاع المختلفة والرد على ادعاءات خصمه ، وان يناقش القاضى هذه الدفوع وأوجه الدفاع ، فإما أن يستجيب لها أو يرفضها بعد الرد عليها . ويجب ضمان حق الدفاع للخصوم طوال مراحل المحاكمة أو الخصومة . وعلى المحكمة أن تتيح للخصم الآخر العلم بما قدمه خصمه من أوراق أو مذكرات والاطلاع والرد عليها . سواء قدمت فى حضوره ، هنا يطلع عليها ولا يعلن بها ، أو فى غيابه ، وهنا يجب اعلانه بها . والدفاع ليس واجباً على الخصم بل هو حق له ، ويجب على المحكمة أن تمكنه من ايداع دفاعه ، أما ابداؤه بفاعلية فهو أمر يتوقف عليه ، فللخصم أن يباشر دفاعه أو لا يباشره حسبما يرى ، ولا يلتزم القاضى بأن يلفت نظره إلى حقه فى هذا الدفاع أو إلى مقتضياته ، وإذا لم يقدم الخصم الدليل على دفاعه فإن للقاضى أن يغفل الرد على هذا الدفاع . ويشترط إلا ينحرف الخصم فى استعماله لهذا الحق فى الدفاع أو يتجاوز بنسبة أمور شائنة لخصمه ماسة باعتباره وكرامته وألا كان مسئولاً عما ينشأ عن خطئه هذا من ضرر ( ) .
 وخامس المبادئ ، التى تكفل تحقيق العدالة الاجرائية ، مبدأ التقاضى على درجتين، ويعنى أن الدعوى (النزاع) تنظر مرتين ، الأول أمام محكمة الدرجة الأولى وتنظر ثانية أمام محاكم الاستئناف أو محاكم الدرجة الثانية ، ويقصد به اتاحة الفرصة للخصم (لصاحب الحق) الذى حكم لغيره صالحه بعرض النزاع أمام محكمة أعلى درجة لتفصل فيه من جديد ، دفعاً للظلم الذى يراه واقعاً عليه وتحقيقاً للعدالة فلا يجوز تحصين أى حكم أو قرار ضد الطعن . فهذا المبدأ يكفل حسن سير العدالة، إذ يحث قضاة محكمة الدرجة الأولى على العناية بأحكامهم والتأنى فى اصدارها خشية إلغائها أو تعديلها من محاكم الدرجة الثانية ، وهى تُشكل عادة من قضاة أكثر عدداً من قضاة أول درجة ، وأكثر خبرة ودراية . كما يسمح هذا المبدأ للخصوم بتصحيح ما قد يقع فيه القاضى من اخطاء وتدارك ما فاتهم من أوجه دفاع أمام محكمة الدرجة الأولى باعتبار أن الحكم عمل بشرى قد يرد فيه خطأ أو نسيان ، فضلا عن انه يشبع غريزة العدالة فى نفس المحكوم عليه بإتاحة الفرصة امامه بعرض النزاع من جديد أمام محكمة أعلى درجة قضائها أكثر عدداً وخبرة ( ) .
 هذه هى المبادئ الاجرائية التى تضمن تحقيق العدالة الاجرائية ، ويلتزم بها القضاء فى عمله . ونعرض الآن لهذه المبادئ فى الفقه الاسلامى .

4- المبادئ الاجرائية فى ضوء الفقه الاسلامى :

 تحكم المبادئ الاجرائية - التى تساهم فى تحقيق العدالة الاجرائية - عمل القضاة . وقد كان القضاء فى صدر الاسلام يتولاه الحاكم أو الخليفة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول قاض فى الاسلام ، فكان يفصل بين المسلمين فى جميع نوازلهم ويقيم الحدود على المذنبين بمقتضى القرآن الكريم والوحى والاجتهاد والإلهام الربانى ، قال تعالى (فاحكم بينهم بما انزل الله) . وكثيراً ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستأنس برأى الصحابة ، فقد كانوا اشبه بالمستشارين فى العصر الحديث. وكان نظام القضاء فى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يأخذ الشكل المعروف الآن ، إذ كانت سماته تتجلى فى أن يُسأل فى أمر من أمور الناس فيجيب على المسألة وفقا لما يوحى به إليه . وكان طريق القضاء سهلا وبسيطاً يتناسب والبداءة التى كانت سمة ذلك العصر ، فلا كتبة ولا محضرون ولا اعلانات ولا مذكرات ولا دفوع ولا معارضات ولا استئنافات ، بل كان الخصوم يرتضون حكم الرسول ويتخذونه طوعاً ، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الميل إلى اصلاح ذات البين ، فقد كان يقول "ردوا الخصوم كى يصطلحوا" ( ) .
 وتولى القضاء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدون وكان نظام القضاء عندهم متمثلاً فى الأخذ من كتاب الله وسنة رسوله، سائرين فى ذلك على نفس المئوال ومهتدين بهدى الرسول الكريم. ولما اتسعت رقعة الدولة الاسلامية وتعددت امورها السياسية والدولية اعطى ولاه الامصار حق استقضاء القضاء وتوليتهم دون الخليفة . وسار القضاة فى عهد بنى امية على طريق الخلفاء الراشدين من استنباط الاحكام من الكتاب والسنة والإجماع ، وكان القضاة يجتهدون برأيهم . وفى العصر العباسي اتسعت الحضارة الاسلامية وانتشر الاسلام شرقاً وغرباً وتفرق حفاظ الشريعة ورواتها فى الامصار، واقتضى العمران وتشعب المعاملات لدى الامم التى دخلت فى الاسلام اتساع دائرة القضاء. وسار القضاة فى الامصار على نهج السابقين، من الاحتكام للقرآن والسنة والإجماع ثم الاجتهاد( ) .
 وقد حرص الحكام والولاة على اختيار أصلح الناس لتولى القضاء ، باعتبار أن القضاء امانة يجب أن يتولاها الاكفاء والأصلح دون توريث ( ) . ويجب أن تتوافر فى القاضى شروط انعقاد الولاية ، ولعل أهمها العدالة - فلا تصح ولاية الظالم وإن عين غير العدل وجب عزله ، اما ولاية الفاسق ففيها خلاف . كذلك يجب توافر العلم فى القاضى ، فلا تصلح ولاية الجاهل - وإن كان القاضى مجتهداً فإنه يقضى بالراجح عنده وإن كان مقلدا جاز له أن يحكم بالمشهور من مذهبه وإن لم يكن راجحاً عنده . اما اتباع الهوى فى الحكم فحرام ، ولا يشترط أن يبلغ القاضى مرحلة الاجتهاد( ) . ولقد عظم الاسلام منصب القضاء ، ففى الحديث الصحيح سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه اولهم الامام العادل ، وقال صلى الله عليه وسلم هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة - قالوا الله ورسوله اعلم قال الذين إذا اعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم. ولكن فى نفس الوقت حذر الاسلام من تولى القضاء ، فقد قال صلى الله عليه وسلم من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكين ، فهذا الحديث الشريف فيه تحذير من القضاء من الظلم ويعتبر فى نفس الوقت دليلا على شرف القضاء وعظيم منزلته وان المتولى له مجاهد لنفسه وهواه وهو دليل على فضيلة من قضى بالحق ، وقد كان على بن ابى طالب ومعاذ بن جبل قاضيان ، فالتحذير عن الظلم لا عن القضاء ، فالجور فى الأحكام وإتباع الهوى فيه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر . وحديث القضاة ثلاثة قاضيان فى النار وقاض فى الجنة فيقصد بالقاضيان اللذين فى النار الجائر العالم والجاهل اما المجتهد فله اجران . وقال عبد الله بن مسعود لأن اقضى يوما احب إلى من عبادة سبعين عاما( ) .
 وقد حرص القضاة ، طوال العصور الاسلامية ، على تحقيق العدل بين الناس، بقمع الظالم ونصر المظلوم وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.  استجابة لقوله تعالى " أن الله يأمركم أن تؤادوا الأمانات إلى اهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" وقوله " أن الله يأمر بالعدل والإحسان" وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أن الله مع القاضى ما لم يجر ، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان) وقوله عليه الصلاة والسلام ( من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضياه فلم يقض بينهما بالحق فعليه لعنة الله) وقوله (عدل ساعة فى حكومة- أي فى حكم- خير من عبادة ستين سنة) وقال كذلك (أن اعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمر أمة محمد شيئاً ثم لم يعدل بينهم)( ).

 وحتى يحصل صاحب الحق على حقه ، ويتحقق العدل ، يجب على القاضى، وهو ينظر فى الخصومات ، أن يتمسك بمبادئ العدالة الاجرائية - المساواة والمواجهة وحق الدفاع والعلانية والتقاضى على درجتين - ولقد اكد الفقه الاسلامى على ذلك سواء فقه أهل السنة (المالكية ، الحنفية ، الشافعية ، الحنابلة) أو فقه الشيعة (الامامية والزيدية والاباضية) ، وحرص القضاة، منذ فجر الاسلام على هذه المبادئ الأساسية فى التقاضى التى نعرض لها الآن .

5- مبدأ المساواة فى الفقه الاسلامى :

 القضاء - الذى هو اخبار عن حكم شرعى على سبيل الإلزام ( ) - حرص على احترام مبدأ المساواة ، ففى رسالة القضاء لعمر بن الخطاب إلى قاضيه ابى موسى الاشعرى (وآسو بين الناس فى مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا ييأس الضيف من عدلك ولا يطمع الشريف فى ضعفك) . فعلى القاضى إذا حضر الخصمان بين يديه أن يسوى بينهما فى النظر اليهما والتكلم معهما ، ما لم يتعد احدهما فلا بأس أن يسوء نظره إليه تأديباً له ويرفع صوته عليه لما صدر منه من اللدد ، وليقعد الخصمين بين يديه ضعيفين كانا أو قويين أو ضعيف مع قوى ولا يقرب احدهما إليه ولا يقبل عليه دون خصمه ولا يميل إلى احدهما بالسلام فيخصه به ولا بالترحيب ولا يرفع مجلسه ولا يسأل احدهما عن حاله ولا عن خبره ولا عن شيء من اموره ولا يسارر احدهما فى السر ، فيجب على القاضى أن يسوى دائما بين الخصمين ولو كان احدهما ذمياً ( ) .
 من ذلك نجد حرص الفقه الاسلامى على وجوب مراعاة القاضى لمبدأ المساواة بين الخصمين : فى الجلوس والإقبال والإشارة والنظر ، لا فرق فى ذلك بين الكبير والصغير والخليفة والرعية والدنئ والشريف والأب والأبن والمسلم والذمى والكافر . ويمتنع على القاضى مسارة أحد الخصمين والقيام له والضحك فى وجهه وضيافته إلا إذا كان معه خصمه ، ولا يكلم احدهما بلغة لا يفهمها الآخر ، ولا يخلو القاضى بأحد الخصمين فى منزله ، ولا يضيف أحد الخصمين إلا أن يكون خصمه الآخر معه ، وبالجملة لا يفعل مع احدهما فعلا يتهم به ويكسر قلب الآخر حتى لا يقوى على القيام بججه . وعلى القاضى أن يسمع الخصمين معا ، وأن يأمر كاتبه أن يكتب كلام الخصمين كما سمعه ولا يزيد عليه أو ينقص لئلا يوجب حقاً لم يجب أو يسقط حقا واجباً ، وعليه سماع شهود الخصمين مع احترام الشهود لقوله صلى الله عليه وسلم (اكرموا الشهود فإن الله يحمى بهم الحقوق) ( ) .
 فالشريعة الاسلامية لا تفرق بين الناس أمام القضاء بحسب الأصل أو الحسب أو المكانة أو العقيدة ، فهى تطبق على جميع المتقاضين نفس الاجراءات وتحيطهم بذات الضمانات . فلا يجوز التمييز بين المتقاضين لأى سبب أو بأى طريقة ، ومتى خص القاضى أحد المتخاصمين - بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس أو الاقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه ، كان ذلك عنوان حيفه وظلمه ، وفى تخصيص احد الخصمين لمجلس أو اقبال أو اكرام مفسدتان : احداهما فى أن يكون الحكم له فيقوى قلبه وجناته ، والثانية أن الخصم الآخر ييأس من عدله ويضعف قبله وتكسر حجته ، كما قال ابن القيم ( ) .

6- مبدأ المواجهة فى الفقه الاسلامى :

 أما عن مبدأ المواجهة -(ضرورة علم الخصم بما قدم ضده وتمكينه من الحضور والرد على ادعاءات خصمه)  فإن الفقه الاسلامى حرص على ذلك بتأكيد أن القاضى لا ينبغى له أن يجيب أحد الخصوم فى غيبة الآخر ( ) ، وهو ما يعنى أن القاضى يجب أن يعلم الخصم بما قدم ضده وان يسمع الخصمين معاً وإذا غاب أحد الخصمين فيجب اعذاره وإنذاره بالحضور للدفاع عن نفسه . وفى معين الحكام "وينبغى للقاضى أن لا يحكم على احد حتى يتعذر إليه برجل أو رجلين . ويحكم القاضى بعد أن يسأل ابقيت له حجة - والمتبادر للذهن انه يوجه ذلك إلى المدعى عليه فإن قال بقيت لى حجة انظره القاضى" ( ) .
 فلا يجوز للقاضى أن يسمع بينة أحد الخصمين دون الآخر ، مما يستلزم أن يكون المدعى عليه حاضراً حتى يمكن اقامة الحجة عليه وإتاحة الفرصة له ليرد دعوى المدعى ، فإن قضى عليه دون حضوره فإن ذلك يعتبر - بحسب الأصل - مصادرة على المطلوب وحكما فى الواقعة دون سماع أقوال كل من طرفيها وهو ما لا يجوز. وروى عن عمرو بن عثمان بن عقال قال "اتى عمر بن الخطاب رجل قد فقئت عينه فقال له عمر تحضر خصمك ، فقال له : يا أمير المؤمنين اما بك من الغضب إلا ما أرى ؟ فقال له عمر ، لعلك قد فقأت عينى خصمك معاً ، فحضر خصمه قد فقئت عيناه معا فقال : إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء" حيث دل هذا الأثر على أن عمر ابن الخطاب قد اشترط حضور الخصم حتى يقضى عليه ولا يعلم له فى ذلك مخالف من الصحابة فيكون اجماعاً ( ) . كما لا يجوز القضاء على الغائب إلا عند الضرورة كما إذا توجه القضاء على الخصم فاستتر( ).
 وحينما ولى الرسول صلى الله عليه وسلم على بن ابى طالب على اليمن قال له : يا على أن الناس سيتقاضون اليك ، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضين لإحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه احرى أن يتبين لك القضاء وتعلم الحق"( ) . فالحق لا يتبين للقاضى ، ولا يمكن لحكمه أن يكون عادلاً إلا بعد أن يسمع كلا الخصمين ، وهو ما يكفله مبدأ المواجهة ، الذى يساهم فى تحقيق العدالة الاجرائية .
 وفى القرآن الكريم ، يقول تعالى فى سورة ص (الآيات 21 - 24) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ  وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ". فهذه الآيات تخبر عن خصومة عرضت وقائعها أمام نبى الله داود عليه السلام ادعى احد طرفيها انه قد ظلم من الطرف الآخر ، وقدم حججه مقرونة بأن خصمه قد عزه فى الخطاب ، أى كان اقوى منه ابانة فى تحقيق مراده على حساب الحق الواضح للمدعى .
 وفى هذه القصة القرآنية مارس المدعى حق الدفاع عن نفسه ، فبين مدى ما لحقه من ظلم فعله به خصمه ، حيث انه لا يملك إلا نعجة واحدة ، كما قال جمهور المفسرين ، وخصمه تسعاً وتسعين ، ومع ذلك طمع فى نعجة المدعى ، وطلب منه أن يتنازل عنها له ، وبعد أن قدم حجته وعرض قضيته ودافع عن حقه ، قرر نبى الله داود عليه السلام انه أن كان الأمر كما يقول المدعى يكون المدعى عليه ظالما ، حيث حكم بعد سماع حجة المظلوم ودفاعه دون أن يسمع رد الآخر وكان سبباً للوقوع فى ذنب استغفر ربه وخر راكعاً وإناب ( ).  على أن مجمل القضية يدل على أن الحكم القضائى قد جاء بعد دفاع وإبانة ، وهو ما يجب أن يكون ، فإن القضية وإن كانت منقولة عن شرع من قبلنا ، إلا انه من المقرر شرعا أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يوجد دليل ناسخ ، وليس فى شرعنا ما ينسخ هذا الحكم بل العمل عندنا على وفقه( ).

7- مبدأ احترام حق الدفاع فى الفقه الاسلامى :

 ومن أهم المبادئ الاجرائية - قرينة العدالة - فى الفقه الاسلامى مبدأ احترام حق الدفاع : ففى رسالة القضاء لعمر بن الخطاب  إلى ابى موسى الأشعرى (أجعل للمدعى حقاً غائباً أو بينة اجلاً ينتهى إليه فإن احضر بينة أخذ بحقه وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك اجلى للعمى وأبلغ فى العذر...) ، فالقاضى يجب أن يترك للخصوم الدفاع عن أنفسهم وتقديم حججهم وأدلتهم على الحق - وقال ابن الحاجب ومالك : أن القاضى يحكم بعد أن يقول المحكوم ابقيت لك حجة فيقول لا ، فإن قال نعم انظره ما لم يتبين له لدده ، ولا يقبل منه حجة بعد انفاذ القضاء ( ) .
 فحق الدفاع فى الاسلام هو من المسلمات ، فللمتهم أن يدافع عن نفسه ، ولكل من المدعى والمدعى عليه أن يقدم دفاعه ، بينته ، مع تفنيد حجج خصمه( ) ويجب على القاضى أن يساوى بين الخصوم فى حق الدفاع ، فلا يعطى احدهما حقه فى الدفاع عن دعواه ويحرم الآخر من هذا الحق ، فذلك لو حدث سيكون نوعاً من الارهاب والتسلط والإذعان القائم على القهر والظلمة والإذلال من طرف لآخر وهذا لا يستقيم مع شرع الله ولا مع مبادئ العدالة ( ) . ومن مظاهر حرية الدفاع فى الاسلام الامهال والتأجيل لكل من المدعى والمدعى عليه ، فينبغى على القاضى أن يوسع على الخصوم ويمهلهم ولا يتعجل بالحكم ويعطيهم الوقت الكافى الذى يستطيعون فيه تحضير حججهم وتهيئة دفوعهم وإكمالها وحتى يتمكنوا من بسط ادعاءاتهم وتدعيمها بالأدلة الكافية والحجج والقوية . ومن هذه المظاهر ايضا حق المشهود عليه فى عرض شهادة الشهود عليه ليقوم بدفعها عنه مما لا يرضى بها ، كذلك يجب أن يُمَّكن الخصم من الاطلاع على الأوراق والمستندات والوثائق التى يقدمها خصمه وان يأخذ منها نسخاً ليتمكن من الدفاع عن نفسه وخصومه ، وفقهاء الاسلام اقروا بحق الخصم فى الدفع اكثر من مرة وجوزوا دفع الدفع إلى أن تنتهى القضية ( ) .
 ولا يقتصر واجب القاضى فى الشريعة الاسلامية على الحفاظ على حقوق الخصوم فى الدفاع والمساواة بينهما فى ذلك ، وإنما القاضى يساعد الخصم فى اظهار حججه وأدلته ، فلا بأس أن يلقن أحد الخصوم حجة عمى عنها (وإنما كره له أن يلقنه حجة الفجور) وصورة ذلك أن يقول لخصمه يلزمك على قولك كذا وكذا فيفهم خصمه حجته ولا يقول لمن له منفعة قل له كذا ، فلا بأس أن يلقن القاضى الخصم حجة لا يعرضها (كما قال ابن عبد الحكم) ، فينبغى للقاضى (كما قال ابن الماجشون) تنبيه كل خصم على تفنيد ما ينتفع به من قول خصمه انه غفل ولا ينبه بعضاً دون بعض( ) .
 وحق الدفاع ، الذى هو مجموعة من الاجراءات أو التصرفات التى تستهدف تبصير العدالة والانتصار للحق والتماس الأسباب التى تؤدى إلى رفع الظلم أو منع وقوعه ( ) هو حق لكل خصم ، يباشره بنفسه ، ويمكن أن يوكل شخصاً آخر- أكثر قدرة وخبرة ودراية بمباشرته عنه ، يسمى الوكيل بالخصومة ، وهو فى الغالب محام. وأصبح الاستعانة بمحام ليتولى حق الدفاع ضرورة الآن ، حيث يتولى عرض مظالم المتظلمين وحججهم أمام القضاء ، لأن الشخص العادى قد يعجز عن ابداء الحجج التى يستند إليها فى سبيل الوصول إلى حقه أو قد يعجز عن معرفة قوة دلالتها فيحتاج إلى خبير للقيام بذلك ، لأن الأحكام التى يصدرها القضاة تقوم على الحجج التى تقدم لهم ( ) . فاستخدام الكلام هو ارقى وسيلة للدفاع عن الناس ، والمحاماة كانت مهمة الرسل عليهم السلام لخير الناس ، فى عاجل حياتهم وفى آجلها ، فالدين النصيحة لله وللرسول ولائمة المسلمين وعامتهم ، ولذلك كرر الرسول صلى الله عليه وسلم أمره "بإبلاغ حاجة من لا يستطيع ابلاغها ، فإن من ابلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه يوم تزل الاقدام " "وإلا يمنعن رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه " "وان الناس إذا رأوا الظالم ولم يضربوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعذاب" "وخير الجهاد كلمة حق تقال فى وجه سلطان جائر" "وانصر أخاك ظالما أو مظلوماً" ( ) .
 فعن طريق المحاماة يتم مباشرة حق الدفاع ، وقد حث الاسلام على ممارسة هذا الحق ، أو الواجب ، ويقوم واجب الدفاع فى الشريعة الاسلامية على التكافل الاجتماعى والتعاون على اقامة العدل والقضاء على الظلم استنادا إلى قوله تعالى (وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) "المائدة 20" . وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من مشى مع المظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الاقدام" ( ) . لذلك استقر غالبية المجتهدين المحدثين على أن الاشتغال بالمحاماة إذا كان فيه احقاقاً للحق وإبطالاً للباطل شرعاً ورد الحقوق إلى أصحابها ونصرة المظلوم فإنه مشروع لما فيه من التعاون على البر والتقوى ، مع الالتزام بالضوابط الشرعية ، فيجب أولا على الموكل أن يصدق محاميه وعلى المحامى تحرى الدقة فى وكالته فلا يتوكل فيما يعلم انه باطل ، وعلى المحامى دائما أن يعاون القاضى للوصول إلى الحقيقة ، وله أن يقر على موكله ، وإذا قدم الموكل إلى محاميه وثائق أو معلومات جديدة وجب على المحامى أن يبرزها مباشرة ولو كانت تضر قضية موكله ( ) .

8- مبدأ العلانية فى الفقه الاسلامى :

 أما رابع المبادئ الاجرائية التى تضمن تحقيق العدالة فهو مبدأ العلانية . فنظراً لأن القضاء كان يتولاه الحاكم - خاصة فى عهد الرسول والصحابة - فإن العلانية كانت تتحقق دائما ، ففى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفى عهد الخلفاء من بعده كان القضاء علنياً ( ) - حيث كان يحضره عامة الناس ولا يقتصر الحضور على الخصوم فقط ، كما كان يحضر مجلس القضاء الفقهاء والمجتهدون. وقال البعض انه لا يقضى القاضى إلا بحضرة أهل العلم ومشورتهم لأن الله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم "شاورهم فى الأمر" إلا أن يخاف القاضى المضرة من جلوس أهل العلم ويشتغل قلبه بهم والحذر منهم ، وقال غيرهم انه لا ينبغى للقاضى أن يكون معه فى مجلسه من يشغله عن النظر كانوا أهل فقه أو غيرهم فإن ذلك يدخل عليه الحصر والاهتمام بمن معه ( ) .
 وكانت جلسات القضاء - المحاكمة - تنعقد فى منزل الحاكم (أو القاضى) أو فى المسجد . وكان يجلس فى المسجد مستقبلا القبلة ، وبذلك يكون مجلسه اقرب على الناس فى شهودهم ويصل إليه الضعيف والمرأة  فمجلس القضاء يكون حيث الجماعة ، جماعة الناس ، وفى المسجد الجامع إلا أن يعلم ضرر ذلك بالنصارى وأهل الملل والحيض فيجلس فى رحبة المجلس ، وان كان البعض يرى أن القاضى لا يقضى فى المسجد لان فيه تضييق على الناس فمنهم الحائض والجنب وأهل الذمة، وفيه امتهان للمسجد بكثرة اللغط واللجاج وما يقع من الخصوم ، كما أن بعض العوام يدخل المسجد ورجل فيها بلل وربما كانت غير طاهرة ، لذلك يرى البعض أن يعقد القضاء فى بيت القاضى ، أو داره شريطة فتح ابوابها وجعل سبيلها سبيل المواضع المباحة من غير منع ولا حجاب ، كما ينبغى أن تكون دار القاضى وسط البلد فى موضع لا يشق على الناس القصد إليها ، كما ينبغى أن يتخذ القاضى لجلوسه للقضاة وقتاً معلوماً لا يضر الناس فى معايشهم ، ولا ينبغى أن يحكم فى الطريق إلا فى أمر استغيث فيه ، ويجب أن يجعل للرجال مجلساً والنساء مجلساً ، فإذا اجتمعت الرجال والنساء فى مجلس واحد لخصومة عرضت لهم افرد لهم مجلساً( ) وينبغى للقاضى أن يمنع رفع الصوت عنده فإن ذلك مما يبرمه ويضجره ويحيره( ) .
 بذلك نجد أن مبدأ العلانية - نظر الدعاوى فى حضور عامة الناس دون قصر الحضور على الخصوم - هو أمر مستقر فى الفقه الاسلامى منذ بداية ظهور الدولة الاسلامية ، وهو ما يدفع القاضى إلى الاهتمام بعمله ويضفى نوعا من الرقابة للشعب على القضاء . على أن هذا لا يمنع القاضى من نظر بعض الدعاوى بصورة سرية (لا يحضرها سوى الخصوم) إذا وجد مبرراً لذلك ، من حفظ الآداب والأخلاق، خاصة فى دعاوى الأسرة - أو الأحوال الشخصية ، وفى كل الأحوال فإن القاضى يبسط سلطته على الحضور ، ويفرض النظام والهدوء فى مجلس القضاء. ولا تقتصر العلانية على نظر الجلسات وإنما عند إلى اصدار الأحكام ، كما أن من مظاهر العلانية نشر الأحكام والجلسات فى وسائل الاعلام المختلفة . وللقاضى أن ينظم حضور الجمهور للجلسات ، فله منع الدخول إذا امتلاءت القاعة أو ينظم الدخول ببطاقات أو دعوات تعطى لمن يريدها .

9- مبدأ التقاضى على درجتين فى الفقه الاسلامى :

 من أهم المبادئ الاجرائية مبدأ التقاضى على درجتين ، الذى يكفل العدالة بإتاحة الفرصة لقضاة آخرين بمراجعة الحكم وتعديله إذا خالف العدالة ويشيع لدى أصحاب الحقوق الطمأنينة على حقوقهم والثقة فى القضاء . فالحكم من عمل البشر وقد يخطئ القاضى وقد يصيب فيجب فتح الباب أمام مراجعته أو نقضه ، تصحيحاً للخطأ وصوناً لحقوق الناس وأعراضهم وحرياتهم . وفى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما انا بشر وأنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فاقض له على نحو ما اسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق اخيه فلا يأخذ منه فإنما اقطع له قطعة من النار ( ) . فهذا الحديث يدل على أن الرسول حينما يقضى بين الناس إنما يقضى بصفته البشرية الانسانية العادية دون الصفة النبوية ، مثله فى ذلك مثل أى قاض من البشر ، وان مناط الحكم الدليل والحجة ويحذر المتخاصمين من الادعاء بغير حقوقهم ( ) . ويستفاد من هذا الحديث أن القاضى - وهو بشر (إنما انا بشر) قد يصيب وقد يخطئ ، وان القاضى إنما يقضى بناء على ظاهر الحال أمامه (اقضى على نحو ما اسمع) وبالتالى إذا اخطأ القاضى - وهو أمر وارد - فلا يجب على من قضى له الحق أن يحصل عليه (ارجع الرسول صلى الله عليه وسلم هنا المحكوم له إلى وازعه الدينى وحذره من عذاب يوم القيامة) أى أن قضاء القاضى يقبل المراجعة والرد هنا دفعاً للظلم وحتى يحصل صاحب الحق على حقه .
 وقد أرسى عمر بن الخطاب كذلك مبدأ مراجعة الحكم فى رسالته إلى ابى موسى الأشعرى - رسالة القضاء - حيث جاء فيها (ولا يمنعك قضاء قضية فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق) ، فهو بذلك لا يرى مانعاً من أن يراجع القاضى حكمه فيعدل عنه أو يعدل فيه تحقيقا للعدل ودفعاً للظلم الذى وقع فيه، وهو ما يفيد - من باب أولى- أن لغير القاضى مصدر الحكم (قاض اعلى أو عدة قضاة) تعديل حكم القاضى ويلغيه أن وجده ظالماً .
 كما أن فكرة رفع الحكم (القضاء) إلى قاض أعلى درجة هى فكرة لها أصولها فى القضاء الاسلامى . فقد روى أن على بن ابى طالب رضى الله عنه لما ولى أمر اليمن فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حدث أن حفر الناس حفرة لأسد يقع فيها، فلما وقع الأسد بالحفرة تزاحم الناس حولها لينظروه فوقع واحد منهم فى الحفرة فامسك بثان فوقع ، والثانى بثالث والثالث برابع حتى وقع الأربعة فى الحفرة وقتلهم الأسد. فاحتكم أهل القتلى إلى على رضى الله عنه فقضى للأول بربع الدية وللثانى بالثالث وللثالث بالنصف وللرابع بدية كاملة ، وأوجب هذه الديات على عواقل المزدحمين حول الحفرة . فلم يرتح أهل القتلى لهذا الحكم ، واتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فى موسم الحج وعرضوا عليه الأمر فأقر الرسول صلى الله عليه وسلم قضاء على وقال : هو ما قضى بينكم ( ) . فالرسول هنا بمثابة محكمة طعن ، تطرح عليه الاقضية المفصول فيها من القضاة فيؤيد الصحيح منها ويلغى أو يعدل ما شابه خطأ أو بطلان ( ) .
 وحينما تولى عبد الله ابن مسعود قضاء الدولة من قبل عمر بن الخطاب ، اتى برجل من قريش وجده مع امرأة فى ملحفتها ولم تقم البينة على غير ذلك ، فضربه عبد الله بن مسعود أربعين وعرفه للناس أى اذاع أمره بين الناس ، فغضب قوم الرجل من هذا الحكم وذهبوا إلى عمر بن الخطاب قائلين لقد فضح عبد الله رجلاً منا، فسأل عمر عبد الله ابن مسعود فى ذلك فقال اتيت به وقد وجد مع امرأة فى ملحفتها ولم تقم البينة على غير ذلك ، فضربته أربعين وعرفته للناس ، فقال عمر : أرأيت ذلك قال عبد الله نعم ، فقال عمر الرأى ما رأيت ( ) .
 فمبدأ مراجعة الحكم - الذى اصدره القاضى - من غيره (وإن كان الحاكم ، الذى كان يعتبر القاضى الأول) هو أمر معروف منذ بداية القضاء فى الاسلام . كما أنه يجوز مراجعة الحكم ونقضه فى بعض الحالات لدى الفقه الاسلامى، كما إذا صدر من قاض غير مختص أو متهم بالفسق أو الرشوة أو لا يجوز قضاؤه ، ونقض الحكم فى هذه الأحوال واجب ( ) . كما يجوز نقض الحكم لمخالفته نص فى الكتاب أو السنة أو الاجماع مثل القضاء بحل متروك التسمية عمدا ومثله الحكم بإدخال لحوم لم تذبح وفق أحكام الشريعة الاسلامية أو أن يقدم الحكم حق وارث على سداد الدين أو أن يحكم القاضى بحل المطلقة ثلاثاً بعقد الزواج الثانى بلا دخول حقيقى لمخالفته حديث العسيلة ، أو الحكم بحل نكاح المتعة أو الحكم بتوريث ذوى الارحام مع وجود اصحاب الفروض أو العصبات ( ) . وكذلك يجوز نقض الحكم إذا بنى على سبب يظن القاضى وجوده وهو ليس موجوداً مثل الحكم بناء على شهادة زور لا يعلم القاضى بتزويرها . فهذه امثلة لحالات يجوز نقض الحكم فيها تدل على أن مبدأ نقض الأحكام والتقاضى على درجتين من الأمور المقررة فى التشريع الاسلامى( ) .
 من ذلك نجد أن حكم القاضى يجوز فى الفقه الاسلامى أن ينقضه غيره ، ولا يحاج هنا بالقول بأن الاجتهاد لا ينقضه اجتهاد( ) ، خاصة فى مجال القضاء ذلك أن الاجتهاد الظالم - وهو اراد كثيراً - يجب رفعه صونا للحقوق وتحقيقا للعدل وحتى لا نصل لقاض مستبد ، خاصة إذا ذكر القاضى فى حكمه الوجه الذى بنى عليه حكمه فوجد مخالفاً لنص أو اجماع ، أو إذا وقع من الخطأ سهو أو غلط ، فحكم القاضى العادل الجاهل ينقض إذا تبين خطأه ، اما القاضى الجائر فى احكامه إذا كان معروفاً بذلك وكان غير عدل فى حاله وسيرته - عالما كان أو جاهلاً ظهر جوره أو خفى - فإن أحكامه كلها ترد صوابا كانت أو خطأ لانه لا يؤمن حيفه ، عدا حكمه فيه صواب وكذلك باطن أمره فيكون صحيحاً( ) .

10- أهمية تبسيط الاجراءات وسرعتها لتحقيق العدالة (ضرورة التقاضى الالكترونى) :

 لا يكفى لتحقيق العدالة حسن تنظيم القضاء ، ووجود قاض عادل يحل خلافات الناس ، ويلتزم الشريعة الاسلامية ، ويحترم المبادئ الاجرائية الأساسية فى عمله ، وإنما يجب أن تكون الاجراءات المتبعة فى نظر القضية بسيطة وسريعة، حتى يحصل صاحب الحق على حقه فى أسرع وقت وبأقل تكلفة ومشقة، حتى لا يشعر بالظلم ، خاصة مع تزايد عدد المحاكم وأنواعها ، وتضخم القوانين - الموضوعية والاجرائية- وتعدد النصوص التى تنظم الحقوق وإجراءات التقاضى ، وذلك مع التزايد فى اعداد القضايا والمنازعات وتعقدها ، خاصة الهامة منها.
 وإذا كانت مشكلة بطء الاجراءات وتعقدها لم تكن قائمة فى عصور الاسلام الأولى ، نظراً لقلة عدد القضايا وعدم تعسف الناس فى ادعاءاتهم حيث كان يغلب على علاقاتهم احترام الالتزامات والعهود ومراعاة الجانب الخلقى واحترام احكام الشريعة وحيث كان القاضى يعقد مجلسه فى أى مكان ، فى المسجد أو فى بيته - دون تعقيدات أو عرائض أو مذكرات أو دفوع أو محضرين أو محامين أو اعلانات معقدة ، وكانت القواعد التى يطبقها محددة وواضحة وكان يستشير فيها اهل العلم . لذلك لم تظهر بقوة مشكلة تعقد اجراءات التقاضى وصعوبتها وتكليفها إلا أن الوضع اختلف الآن ، خاصة مع تغير طبائع الناس وكلما ضاقت دائرة الاخلاق اتسعت دائرة القانون .
 ولما كانت هذه المشكلة تعانى منها مختلف الدول الاسلامية - خاصة كثيرة العدد قليلة الامكانيات - وأصبحت تهدد حقوق المتقاضين وتهدد العدالة وهو ما من شأنه أن يشعرهم بالظلم ويهدد الأمن والاستقرار . لذلك بدأت الدول تتجه إلى ايجاد حلول لمشكلة بطء التقاضى - وتأخر العدالة وصعوبة الحصول عليها . ويهدف سرعة حصول صاحب الحق على حقه دون تكاليف كبيرة . وإذا كانت أسباب بطء التقاضى عديدة ، إلا أن من أهمها تعقد الاجراءات وتعددها .
 وبالاستفادة من تجارب مختلف الدول - وبالذات الدول المتقدمة (علمياً) - أصبح من الضرورى الاستعانة بالوسائل الالكترونية الحديثة فى التقاضى ، خاصة بعد أن قامت دولاً عديدة منها عدة دول اسلامية - بإنشاء الحكومة الالكترونية ( ) . ذلك أن تبنى أدوات الحكومة الالكترونية يعنى أن القضاء مدعو لفض المنازعات من خلال انزال الحكم على الوقائع فى إطار المتغير الجديد . فاستخدام وسائل الاتصال الحديثة فى التقاضى يساعد على تبسيط الاجراءات المتبعة أمام المحاكم ويؤدى إلى اختصار الوقت الذى تستغرقه القضية للفصل فيها ، كما ييسر عمل القاضى ويساعده على حسن نظر النزاع وسرعة الفصل فيه ، بالإضافة إلى التخفيف على الخصوم فى اعداد القضية ومتابعتها والاطلاع على أوراقها ، بجانب التخفيف عن المحاكم مما يساعد فى النهاية على تحقيق العدالة الناجزة .
 فالوسائل الالكترونية - التى أصبحت تتمثل فى الحاسب الآلى المتصل بالانترنت واستخدام شبكات التواصل الاجتماعى (الفيس بوك ، تويتر...) فى اجراءات التقاضى متاح أمام كافة الدول ولم يعد حكراً على الدول المتقدمة . فإذا كانت هذه الدول قد قطعت شوطاً كبيرا فى التقاضى الالكترونى ( ) ، فإن عدداً من الدول الاسلامية بدأت تخوض هذه التجربة وقطعت شوطاً لا بأس به فى استخدام وسائل الاتصال الحديثة فى التقاضى ، حيث بدأت المملكة العربية السعودية الأخذ بهذا النظام سنة 2000 وقطعت شوطا طويلاً ، ومحكمة جدة تخوض تجربة جدية للعمل بنظام التقاضى الالكترونى باستخدام النظام الشامل بدءاً باستقبال المعاملات والاستدعاءات الكترونيا وانتهاء باستخراج الصك القضائى ، ويتولى المجلس الأعلى للقضاء فى السعودية حالياً تطوير عملية التفتيش القضائى باستخدام الكمبيوتر ، كذلك الوضع فى الامارات العربية المتحدة حيث بدأت عام 2013 حملة تحت شعار المحكمة الذكية تقوم على محاور أربعة - نظام القاضى الذكى، المحامى الذكى ، التسجيل الذكى ، ونظام كاتب العدل ، وفى دبى تم وضع نظام الكترونى للنيابة العامة . وقريب من ذلك الوضع فى المغرب وسوريا ولبنان والكويت( ) .
 ولاشك فى أن الأخذ بالوسائل الحديثة للتقاضى الالكترونى هو أمر تقتضيه طبيعة العصر ، وفوائده عديدة وأهمها سرعة تحقيق العدالة مع توفير الشفافية والنزاهة فى العمل القضائى . وهى اعتبارات لها اهميتها فى الاسلام ، وليس فى ذلك أى مخالفة لمبادئ الشريعة الاسلامية ، بل أن هذه المبادئ تدفع إليها ، فالإسلام يرمى دائما إلى التيسير على الناس ، وما خير الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا وأختار ايسرهما . كما أن التخفيف على الناس وضمان حقوقهم هى أمور يحض عليها الاسلام ، بالإضافة إلى أن مقصد العدل (الذى لا يعنى فقط أن يحصل صاحب الحق على حقه وإنما أن يحصل عليه فى وقت مناسب قصير) هو من أهم مقاصد الشريعة الاسلامية .

11- ضرورة تخصص القضاء واستحداث نظم اجرائية :

 إذا كان مبدأ التقاضى على درجتين ، أو مراجعة الحكم يقتضى أن توجد محاكم دعاوى (محاكم درجة أولى) ومحاكم طعون (محاكم درجة ثانية) لضمان تحقيق العدالة ، فإن تعدد الدعاوى وتنوعها ، يقتضى اختلاف المحاكم وتنوعها ، فهناك محاكم مدنية (تنظر كذلك الدعاوى العمالية والدعاوى التجارية ودعاوى الأحوال الشخصية) التى تفصل فى الدعاوى حول الحقوق المدنية والتجارية والعمالية والأسرية. وهناك محاكم جنائية (تفصل فى الجرائم التى ترتكب ضد الأفراد أو ضد الدولة) بالإضافة إلى المحاكم الادارية (وهى محاكم تفصل فى الدعاوى التى تكون الدولة طرفا فيها) .
 عل أن الذى يسود القضاء المدنى هو عدم تخصص القاضى ، فالقاضى يمكن أن ينظر - أثناء عمله - دعاوى جنائية ودعاوى مدنية ودعاوى الأسرة ودعاوى عمالية أو اقتصادية - بجانب دعاوى مستعجلة ودعاوى تنفيذ . ولاشك فى أن ذلك من شأنه أن يهدد العدالة حيث انه يصعب على القاضى أن ينظر دعاوى مختلفة الأنواع ، فيشتت جهده بين القوانين المدنية والجنائية والعمالية وقوانين الأحوال الشخصية وغيرها ، وهو ما من شأنه أن يؤدى فى النهاية إلى صدور أحكام ضعيفة أو غير محققة للعدالة ، لأنه مع تعدد القوانين وتعقدها يصعب أن يلم القاضى فى ذات الوقت بها ويطبقها التطبيق الصحيح على دعاوى مختلفة شديدة التنوع ، فهى تتطلب قاضى موسوعة !
 لذلك فإن تخصص القضاء هو ضرورة عصرية ، لحسن سير القضاء ، ولتحقيق العدالة . بأن يتفرغ القاضى المدنى لنظر الدعاوى المدنية طوال عمله فى القضاء ، ويتفرغ القاضى الجنائى للقضايا الجنائية وحدها فقط ، ويتخصص قاضى ثالث فى دعاوى الأحوال الشخصية ، ورابع فى الدعاوى العمالية وخامس فى القضايا الاقتصادية ، وهكذا . وهذا ما أخذت به دول عديدة متقدمة ، ولكن الوضع فى أغلب الدول العربية والإسلامية لا يسير عليه . فمن الضرورى العمل على تخصص القضاء - ولا يكفى أن توجد دوائر متخصصة بالمحكمة ، فهى لا تعتبر محاكم مستقلة ، وإنما يجب تخصص القاضى نفسه فى فرع معين فى فروع القانون طوال عمله ، وبالتالى يكون هناك محاكم متخصصة .
 ولا يكفى حتى وجود محاكم متخصصة إن لم يوجد قاض متخصص . فأفراد محاكم للأسرة يعبر عن محاكم متخصصة والحقيقة غير ذلك ، لأن هذه المحاكم وإن كانت لا تنظر إلا دعاوى الأسرة (الأحوال الشخصية) إلا أن القضاة بها غير متخصصين ، فمنهم من كان يعمل قبل ذلك فى الدعاوى المدنية وسيعمل بعد فترة فى الدعاوى الجنائية أو العمالية ، وهكذا . كذلك الحال فى المحاكم التجارية أو الاقتصادية ، هى محاكم مخصصة للدعاوى التجارية والاقتصادية ولكنها ليست متخصصة بمعنى أن القضاة بها لا يتخصصون فى الدعاوى التجارية والاقتصادية وإنما يعملون فى قضايا أخرى . نفس الوضع فى المحاكم العمالية ، ودوائر التنفيذ ، وكذلك الحال فى المحاكم الجنائية .
 فالقاضى هو أهم عضو فى المحكمة - بل أن المحكمة هى المكان الذى يجلس فيه القاضى للفصل فى منازعات الناس ، فلا محكمة بلا قاض . وهذا القاضى يجب أن يكون قادرا على الفصل فى الدعاوى وتحقيق العدل . ومهما كان القاضى كفؤا فإنه لا يستطيع أن يفصل فى دعاوى مختلفة متنوعة متباعدة معقدة . أو أن يلم بقوانين عديدة متنوعة . ذلك يجب أن تعمل الدول الاسلامية على تطبيق نظام تخصص القاضى حتى يكون القاضى قادراً على تحقيق العدل بين الناس . ولاشك فى انه لا يوجد فى الفقه الاسلامى ما يحول دون تخصص القضاء .

الخاتمة

 إن تحقيق العدالة هو من أهم مقاصد الشريعة الاسلامية ، والعدل من اسماء الله الحسنى ، وبه تقوم السموات والأرض ، وحتى تتحقق العدالة ويحصل كل ذى حق على حقه ، ونتجنب الظلم يجب أن تكون القوانين عادلة ، والقضاة اكفاء ، والإجراءات ميسرة ، وحتى تتحقق كفاءة القضاة يجب أن يكون هناك تخصص للقضاء ، وحتى تكون الاجراءات سهلة وميسرة يجب العمل على تبنى وسائل الاتصال الحديثة فى التقاضى ، كذلك من الضرورى أن يحترم القاضى المبادئ التى تحكم العدالة الإجرائية ، وأهمها مبدأ المساواة ومبدأ المواجهة ومبدأ احترام حق الدفاع ومبدأ العلانية ومبدأ التقاضى على درجتين .
 لقد ساهم الفقه الاسلامى فى إرساء هذه المبادئ منذ اكثر من أربعة عشر قرناً، فى وقت كانت أوروبا تعيش فيه فى ظلام العصور الوسطى ، وأرسى قواعد اجرائية تفصيلية ، وتعرض بالتوضيح للإجراءات والقواعد التى يجب أن تسود المحاكمات العادلة ، ولقد نقل الغرب عن الفقهاء المسلمين هذه المبادئ والقواعد ، والتزموا بها ، لذلك أصبحت العدالة لديهم سهلة ميسرة ، وهو ما يفسر كذلك عدم وجود تناقض بين آراء الفقه الاسلامى وبين القوانين الغربية فى المسائل الاجرائية.

التوصيات :
1- التأكيد على أهمية المبادئ الإجرائية التى تضمن تحقيق العدالة ، والتى ارساها الفقه الاسلامى ، والعمل على تقنينها والحرص عليها .
2- العمل على تخصص القضاة وأهمية وجود محاكم متخصصة فى المنازعات المدنية ، ومحاكم أسرة ومحاكم عمالية ومحاكم تجارية بالإضافة إلى المحاكم الجنائية والإدارية والتى يتخصص القاضى فيها جميعا بنوع واحد من المنازعات ولا يعمل فى سواها .
3- العمل على الأخذ بوسائل الاتصال الحديثة فى التقاضى لسرعة تحقيق العدالة من خلال تعديل القوانين وتجهيز المحاكم  بالوسائل التكنولوجية الحديثة .
4- أهمية وجود ديوان للمظالم فى مختلف الدول الاسلامية ، للمساهمة فى رفع الظلم عن الناس .
 تم بحمد الله ..
ورقة عمل مقدمة لمؤتمر
"الفقه الإسلامي : المشترك الإنساني والمصالح"  
(تطور العلوم الفقهية - فقه رؤية العالم والعيش فيه
سلطنة عمان 6 - 9 ابريل 2014

العدالة الإجرائية في الفقه الإسلامي

أ.د. أحمد عوض هندى
أستاذ قانون المرافعات
عميد كلية الحقوق - جامعة الاسكندرية سابقاً

الأحد، 1 مايو 2016

المنـــــــــازعــــات الدوليــــــــــــة دراسة،إعداد و تقديم الدكتور الأستاذ عزالدين بن سالم



المنـــــــــازعــــات الدوليــــــــــــة

 دراسة،إعداد و تقديم  الدكتور الأستاذ عزالدين بن سالم

النزاع الدولي

بدأت المفاوضات مع بدء الخليقة,منذ حوارات ادم وحواء, وحوار هابيل وقابيل,إلى يومنا هذا سواء كانت على مستوى الأفراد او على مستوى المنظمات,والدول, وتأكدت أهمية المفاوضات لحل المنازعات بكافة أشكالها ودرجاتها لان البديل المنتظر هي الحروب والويلات والفقر,والمرض,والتخلف,التي عانت منها البشرية بسبب عدم قدرة قادتها على حل مشاكلهم بأسلوب آخر غير الحروب, الذي سيخرج منها المنتصر مهزوما حتى لو ادعى هزيمة خصمه, لان المنتصر دفع فاتورة انتصاره من أبناءه,وموارده. لذلك تداعت الشعوب والقادة من اجل ان تكون المفاوضات اولا والطرق السلمية الأخرى فيما بعد هى البديل عن الحرب,ولذلك أصبح لزاما على من يخوض غمار المفاوضات أن يتسلح بأصولها,وأساليبها,ومهاراتها وأشكالها,وان المفاوض الماهر يولد ولا يصنع ويعتبر بعض الكتاب ان المفاوضات حرفه لها أصولها وعلومها وانها خبره تتراكم لتدعيم الأعمال حيث يهدف كل طرف للوصول الى اتفاق يتحرك كل طرف من خلاله نحو نتيجة تعتبر جيده وتخدم مصالحهما المشتركة

تقع المنازعات بين الدول كما تقع بين الأفراد، وهي كانت وما تزال قائمة. ولقد كان القانون الدولي عبر تاريخه ، معنياً دوماً بحل المنازعات الدولية، وهذا أمر طبيعي ومنطقي، طالما أن معالجة المنازعات هي أحد الأهداف الرئيسية لأي قانون على أي مستوى، ويتبع القانون في ذلك إحدى الطريقتين : أما منع وقوعها أصلاً أو تسويتها بعد وقوعها.

المقصود بالنزاع الدولي :النزاع الدولي هو خلاف حول نقطة قانونية أو واقعية أو تناقض وتعارض الآراء القانونية أو المنافع بين دولتين ، أما المنازعات بين أفراد من جنسيات مختلفة فلا تعد نزاعات دولية حيث يحكمها القانون الدولي الخاص ، وكذلك المنازعات بين دولة وفرد من جنسية أخرى من نطاق النزاعات الدولية وتخضع لقواعد الحماية الدبلوماسية.

ويكون النزاع دولياً إذا كان طرفاه من أشخاص القانون الدولي العام وهم ( الدول و المنظمات الدولية )

متى يعد النزاع دولياً ؟

يعد النزاع دولياً في ثلاث حالات وهي :

1/ النزاع الذي ينشأ بين دولة وأخرى .

2/ النزاع الذي ينشأ بين دولة ومنظمة دولية .

3/ النزاع الذي ينشأ بين منظمتين دوليتين .

ما هي المنازعات التي لا تعتبر منازعات دولية ؟!

1/ المنازعات التي تنشأ بين أفراد تابعين لدول مختلفة

لأنها تعتبر من قبيل منازعات الأفراد التي تخضع  » للقانون الدولي الخاص  » .

2/ المنازعات التي تنشأ بين دولة ومواطني دولة أخرى

لأنها تعتبر من قبيل المنازعات الداخلية التي تخضع  » للقانون الداخلي للدولة الأولى «

أصطلح فقهاء القانون الدولي على تصنيف المنازعات في نوعين رئيسيين : منازعات سياسية ومنازعات قانونية .

المنازعات القانونية : يكون الأطراف فيها مختلفين على تطبيق أو تفسير قانون قائم. وعادة ما يتم حل هذه المنازعات عن طريق التحكيم أو باللجوء إلى المحاكم الدولية .

المنازعات السياسية : تلك التي يطالب فيها أحد الأطراف بتعديل الأوضاع القانونية القائمة . ويتم حل مثل هذه

المنازعات بالطرق الدبلوماسية أو السياسية .

الطرق الدبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية

الطرق الدبلوماسية : هي التي بموجبها تسعى الدول المتنازعة إلى الاتفاق عن طريق المفاوضات الدبلوماسية لحل المنازعات الدولية .

الطرق الدبلوماسية لحل المنازعات الدولية

عرف القانون الدولي التقليدي العديد من هذه الوسائل أهمها :

1/ المفاوضات

2/ الخدمات الودية  » أو  » المساعي الحميدة

3/ الوساطة

4/ التحقيق

5/ التوفيق

وتعتبر المفاوضات بأشكالها المباشرة والغير مباشره هي الأكثر شيوعا والمألوفة, لعقد مختلف المعاهدات والاتفاقات الدوليه, لحل النزاعات ومن المسلمات كأولى الطرق السلمية لفض المنازعات,في حالة ما اذا اتفقت الأطراف على اجندة الحوار والموضوعات المثارة بين الأطراف,والمفاوضات المباشرة الناجحة تؤدى الى تضيق شقة الخلافات وحل المنازعات اذا كانت القوى السياسية متكافئة, والنية السليمة أما اذا لم تكن متكافئة, يؤدى ذلك الى ضرر للدولة الضعيفة, ففاعلية المفاوضات المباشرة تعتمد على توافر حد ادنى من تعادل القوى السياسية بين الطرفين المتفاوضين(العطيه, ,1987, ,ص429)

وسنتناول في دراستنا هذه مجموعه من الموضوعات ففى المبحث الأول سنتناول في المطلب الأول مفهوم وتعريف المفاوضات, والمفاوضات في القانون الدولي,طرق المفاوضات,عناصر التفاوض الرئيسية وفى المطلب الثاني سنتناول مراحل المفاوضات المباشرة,مبادئ التفاوض,المهارات الاساسيه للتفاوض,مهارات ومميزات المفاوض الناجح خصائص المفاوضات, ,وفى المبحث الثاني ستكون دراسة الحالة عن كامب ديفيد سنتناول ى المطلب الأول خطه البحث والمقدمة,وفى المطلب الثاني سنتناول الأجواء التي عقدت فيها المفاوضات المباشرة في اولا,وحشد الدعم والإسناد في ثانيا وثالثا سنعرض للمقترحات الاسرائيليه للحل والردود الفلسطينية غليها ثم نختم بالنتائج للدراسه.

المبحث الأول

المطلب الأول

النزاع الدولي: – المفهوم الكلاسيكي: يعرف النزاع الدولي أنه ذل الخلاف الذي يكون أطرافه دولا فقط.

نقد: هذا المفهوم أصبح ناقصا وعاجزا عن تفسير بعض المظاهر الجديدة التي أصبح يحتويها المجتمع الدولي.

– المفهوم الحديث: يعرف النزاع الدولي أنه ذلك الخلاف الذي يقوم بين أشخاص القانون الدولي العام حول موضوع قانوني أو سياسي أو اقتصادي أو غيره مما يرتبط بالمصالح المادية والمعنوية للمجالات المدنية والعسكرية أو غيرها معنى ذلك هناك ارتباط بين الشخصية القانونية والنزاع الدولي فقد يكون الخلاف قانوني كما قد يكون سياسي وقد يكون اقتصادي ونقول أن غالبية النزاعات تكون ذات طبيعة مختلطة. اختلفت طرق حل النزاعات من فترة الى أخرى.

– في العصر القديم: النزاع الدولي كان الحل الأساسي فيه هو الحرب وحتى في العصر الوسيط معنى ذلك أن المجتمع الدولي سواء الكلاسيكي أو الحديث لم يكن يعرف طرق أخرى غير الحرب فلم يكن هناك طرق سلمية باستثناء الحضارة الإسلامية التي عرفت الطرق السلمية كأساس لحل النزاع أما الحرب فكاستثناء  » وإن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. » وقال تعالى  » وإن جنحوا للسلم فاجنح لها. »

– ثم جاء العصر الحديث قبل سنة 1945 قبل ولادة منظمة الأمم المتحدة وفي بداية هذا العصر بدأ المجتمع الدولي يتطور بمفهوم جديد هو السيادة فأعطى مفهوم الدولة الحديثة وظهورها أدى الى وجود علاقات دولية جديدة بين تلك الدول فبعض الدول تجمعها أهداف معينة كالدول الأوربية والاختلاف في الأهداف يؤدي الى التعارض في المصالح وهذا التعارض يؤدي الى نزاعات دولية وبالتالي ظهرت المؤتمرات الدولية كمؤتمر فينا … هذه المؤتمرات مهدت الطريق الى ظهور ما يسمى بالاتفاقيات الاجتماعية بعد أن كانت تعقد معاهدات دولية أي بين دولتين فقط.

هذه الاتفاقيات كاتفاقية فرساي، فينا….. كانت تنظم المصالح المشتركة مثل تنظيم الملاحة الجوية والبحرية في الأنهار والهدف منها منع قيام نزاعات ثم بعد ذلك أصبحت الدول الأوربية تبرم اتفاقيات ذات طبيعة خاصة تحدد طرق حل النزاعات بين الدول عند قيامها  » اتفاقية لاهاي1 1899، واتفاقية لاهاي2 1907  » هاتين الاتفاقيتين خاصة بطرق حل النزاع الدولي أي تنظم ماهي الوسائل التي من خلالها تحل إذا قام أي نزاع دولي ثم جاء مؤتمر جنيف 1928.

ملاحظة: قبل هذه المؤتمرات الثلاث حل النزاعات كان يتم بالعرف الدولي وكان العرف مصدر من مصادر العلاقات الولية. وجاءت هذه الاتفاقيات بأساس سلمي ويعتبر ميثاق الأمم المتحدة في العصر الحديث هو الأساس الأول في تنظيم طرق حل النزاعات الدولية وذلك من خلال الفصل السادس من الميثاق تحت عنوان حل المنازعات بالطرق السلمية وذلك من خلال المادة33/01  » ينبغي على المتنازعين في كل خلاف قد يؤدي استمراره الى تهديد السلم والأمن الدوليين أن يسعوا لحله بادئ البدء بطريق المفاوضة أو التحقيق أو الوساطة والمقاربة والتحكيم والتسوية القضائية واللجوء الى الجماعات( المنظمات) أو الاتفاقيات الإقليمية أو يعتبرها من الوسائل السلمية التي يختارونها. »

باستقراء أحكام هذا النص يمكن أن يرد عليه عدة ملاحظات:

– المشرع الدولي يربط مدى جسامة النزاع الدولي بمفهوم السلم والأمن الدوليين ومدى تأثيره عليه.

– أن المشرع الدولي قد أورد هذه الوسائل على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر.

– أن هذا الترتيب وهذه الدعوة غير ملزمة لأطراف النزاع ومع ذلك يمكن لأطراف النزاع وبكل حرية أن يختاروا أي وسيلة يرونها ناجعة. المهم أن هذا النزاع لا يؤثر سلبا على السلم والأمن الدوليين.

– يمكن أن يفهم من مضمون هذا النص أن المشرع الدولي يتجه الى تحريم الحرب تدريجيا بالنظر الى المادة33 نقول أن المشرع يتجه الى إيجاد وسائل لحل النزاع الدولي ولكن لم يكن دقيقا في ذلك فهذا النص في تقديرنا يمكن أن يخلق بعض النقائص أثناء التطبيق العملي ولهذا حتى تكون دراستنا شاملة فإننا نرى كما يذهب غالبية الفقه الدولي أن وسائل حل النزاع الدولي ينقسم الى نوعين

– الوسائل السلمية. – الوسائل الغير سلمية( القصرية)

– الوسائل السلمية تنقسم الى 03 طرق: أ- الوسائل السياسية. ب- اللجوء الى المنظمات الدولية. ج- الوسائل القضائية.

أ- الوسائل السياسية: تنقسم الى05 وسائل:

أ/1- المفاوضات. أ/2- المساعي الحميمة. أ/3- الوساطة. أ/4- التحقيق. أ/5- التوفيق.

ب- اللجوء الى المنظمات الدولية: تنقسم الى قسمين: ب/1- المنظمات الإقليمية. ب/2- المنظمات الدولية العالمية.

ج- الحلول القضائية: تنقسم الى قسمين: ج/1- التحكيم الدولي. ج/2- القضاء الدولي محكمة العدل الدولية.

أولا: الوســائل السلمية

– الحلول السياسية: قد يفضلها أشخاص المجتمع الدولي بدلا من الحلول القضائية لسببين:

أ- أن الحلول السياسية يمكن تطبيقها في كل أنواع المنازعات الدولية سواء كانت ذات طبيعة اقتصادية أو قانونية أو سياسية.

ب- أن الحلول السياسية لا تترك شعور بالاستياء لدى الدولة عند لجوئها إليها ضف الى ذلك أن الحلول السياسية ليست حصرية فأطراف النزاع يمكن أن تلجأ الى وسيلة أخرى بشرط المحافظة على السلم والأمن الدوليين وبالتالي الوسائل التي سنتعرض إليها واردة على سبيل المثال.

– المفاوضات: إن المفاوضات في القانون الدولي تتم بين ممثلي أطراف النزاع الذين يجرون فيما بينهم مباحثات بقصد الهدف تبادل الرأي في الموضوعات المختلف عليها وتقريب وجهات النظر فيها والحصول على حلول من شأنها ترضي الطرفين وقد تكون شفوية في مؤتمرات أو خطية في تبادل كتب ومستندات إلا أنه يشترط لنجاحها تكافؤ الأشكال السياسية لبتي تتبع من قبل من يباشرها. ويمكن أن تتم المفاوضات في إقليم أطراف النزاع أو في دولة محايدة. فمثلا اتفاقية ايفيان في مدينة سويسرا بين الجزائر وفرنسا. ولنجاح المفاوضات لابد من تكافؤ القوى والفرص . القاعدة العامة للمفاوضات أن ليس لها قيمة قانونية ملزمة خاصة إذا كانت شفهية أما إذا كانت كتابية فهي ملزمة للأطراف لأنها مقدمة لالتزام دولي وخاصة إذا كنا بصدد اتفاقية شارعه جماعية

– والمفاوضات تقوم بها السلطة التنفيذية فقط وتجسد في رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو وزير الخارجية ويكون بمقتضى نص كتابي ويكون هذا التفويض محدد المدة.

– من خصائص المفاوضات أنها تتكون من أطراف النزاع فقط وإذا تدخلت دولة خارجة عن النزاع القائم يعتبر بمثابة وساطة، والفقه يؤكد لنجاح المفاوضات لابد من تكافؤ أطراف النزاع مثال المفاوضات التي تتم بين الفلسطينيين والاسرائليين فشلت هذه المفاوضات لأن الطرف الإسرائيلي تؤيده الولايات المتحدة اقتصاديا وعسكريا وبالتالي عدم تكافؤ أطراف النزاع خريطة الطريق.

المفاوضات في القانون الدولي ملزمة للطرفين :-

– المفاوضات كقاعدة عامة في القانون الدولي هي غير ملزمة ولكن هذه المفاوضات إذا حصلت على توقيع السلطة المعنية في الدولة فإنها تكتسب طبيعته، ولكن التوقيع يختلف من دولة الى أخرى فبعض المعاهدات يشترط لنفاذها مصادقة البرلمان على ذلك وبالتالي تصبح ملزمة وأخرى تشترط فقط توقيع رئيس الدولة لكي تصبح نافذة.

– نفرق بين المفاوضات في الاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات الجماعية: فالاتفاقيات الثنائية تكون غير ملزمة إلا إذا صادق عليها البرلمان أو رئيس الدولة أما الاتفاقيات الجماعية تكون ملزمة لأطراف النزاع.

المطلب الثاني :

أولا:مفهوم التفاوض

التفاوض هو موقف تعبيري حركي قائم بين طرفين أو أكثر حول قضية من القضايا يتم من خلاله عرض وتبادل وتقريب ومواءمة وتكييف وجهات النظر واستخدام كافة أساليب الإقناع للحفاظ على المصالح القائمة أو للحصول على منفعة جديدة بإجبار الخصم بالقيام بعمل معين أو الامتناع عن عمل معين في إطار علاقة الارتباط بين أطراف العملية التفاوضية تجاه أنفسهم أو تجاه الغير.

تعريف المفاوضات: قد ظلت عبارة مفاوضات تستعمل للتعبير عن التعامل السلمي بين الدول حتى منتصف القرن السابع عشر ، حيث حلت محلها عبارة الدبلوماسية التي يعرفها البعض حتى الآن بأنها المفاوضات ، وتعرف الدبلوماسية المعاصرة علي انها إدارة العلاقات الدولية بالتفاوض (نيكلسون،ص53) .وتعد المفاوضات أول القنوات الهامة التي ينبغي علي الدول أن تسلكها عادة لإزالة أي خلاف أو توترات قد تنشأ فيما بينها، وذلك لما تتميز به من مرونة ويسر في تسوية جميع أشكال المنازعات تسوية مباشرة وودية سواء كانت ذات طابع سياسي او قانوني وتستخدم لتعزيز الظروف علي استمرار العلاقات من خلال تذليل او حل أو مواجهة أي مصاعب قد تقف في طريق هذا الاستمرار (الخطيب،1990،16). و يعرف الدكتور على صادق ابو هيف المفاوضات بأنها  » تبادل الراى بين دولتين بقصد الوصول الى تسويه للنزاع القائم بينهما .. ويكون تبادل الآراء شفاها او في مذكرات مكتوبة او بالطريقتين معا .( ابو هيف, ,1992,ص730).وتعرف المفاوضات علي أنها تبادل وجهات النظر بين أشخاص القانون الدولي بغية الوصول الى اتفاق بينها بخصوص مسالة معينه او موضوع معين.(صباريني, 2007,ص46) . يعرف M.Pedler المفاوضات هى التباحث مع طرف آخر بهدف التراضي او الاتفاق (Pedler,1977,p.18)

يتضح لنا مما سبق ان جميع التعريفات التي طرحت لتعريف مفهوم المفاوضات، جميعها تدور حول قضية معينة مختلف عليها من قبل طرفين او أكثر والمفاوضات تكون هي الوسيلة للخروج من الأزمة بحل يرضي جميع الأطراف بحيث لا يكون هناك غالب ومغلوب و تتم التسوية بينهم ويفتح المجال أمام إقامة علاقات بين تلك الأطراف ولكن ما أريد أن انوه له هنا بان المفاوضات قد تكون ناجحه,اذا اعد لهابشكل صحيح,وتوفرت لدى الاطراف المتفاوضه النيه السليمه والصادقه,لكى يعطى ويأخذ,وقد تفشل هذه المفاوضات اذا لم يعد لهابالشكل الصحيح,ولم تتوفر الاراده الصادقه للحل,واذا حاول احد الاطراف ان يكسب كل شئ,وتعتبر المفاوضات المباشره أفضل وسيلة لتسوية النزاعات بين الأطراف المختلفة حول القضية ذات الصلة ،وأضيف الي ذلك أن المفاوضات هي التي تحل قوة الحجة محل حجة القوة في التعامل الإنساني والفردي والدولي(الشاعرى,2000,ص30)

ثانيا: طرق المفاوضات

1-طريقة التفاوض العادية المباشرة: وهي الأطراف التي تجلس فعلا إلى مائدة المفاوضات وتباشر عملية التفاوض,سواء كانت طريقة المفاوضة بشكل كتابي أو شفاهي. وتعتبر المفاوضات المباشرة أبسط الوسائل التي تلجأ إليها الدول لحل نزاعاتها، وتتم عادة على يد ممثلي الحكومات او الأطراف المتنازعة الذين يجرون فيما بينهم محادثات بقصد تبادل الرأي في الموضوعات المتنازع فيها وتقليب وجهات النظر فيها قصد الوصول إلى حلول مرضية للفريقين.

والمفاوضات قد تكون شفوية تجري في مؤتمرات، أو خطية تتجلى في تبادل مذكرات وكتب ومستندات. ويشترط لنجاحها تكافؤ الأساليب السياسية التي تتبع من قبل من يباشرها وإلا سقطت الدولة الضعيفة فريسة الدول الكبرى(شكري،مايو،2010). ومن الأفضل قبل البدء في أي عملية مفاوضات مباشرة رسمية بين أطراف النزاع، أن يكون هناك اجتماع تمهيدي ودي غير رسمي بين الأطراف من أجل التعارف والتقارب في وجهات النظر وذلك لخلق نوع من الألفة والمودة ،وتحديد المواضيع والقضايا التي ستتناولها تلك المفاوضات الرسمية ، لان التجربة أثبث أن اغلب المفاوضات الرسمية التي سبقتها اجتماعات ودية كانت أكثر نجاحا من تلك المفاوضات المباشرة التي بدأت بدون اجتماعات تمهيدية غير رسمية. وهذا يتطلب حسن ادراك لادارة المفاوضات وكيفية احتوائها في اطارها وعدم الخروج عن جدول الاعمال المحدد لها بمعني ان يكون التفاوض والحوار والنقاش في الموضوعات المطروحة للمناقشة(اليوسفي،1997، 33).

2- طريقة التفاوض الغير مباشره وهى تكون عبر الأطراف التي تشكل قوى ضاغطة لاعتبارات المصلحة أو التي لها علاقة قريبة أو بعيدة بعملية التفاوض.(الحسن, ,1993, ص75)

ثالثا: المفاوضات في القانون الدولى.

جاءت المادة الثالثة والثلاثون من ميثاق الأمم المتحدة والمتعلقة بحل النزاعات التى تنشأ بين الدول بصوره سلميه كما يلى. المادة(33)

1- يجب على أطراف اى نزاع من شأن استمراره ان يؤدى الى تهديد السلم والامن الدوليين ان يلتمسوا حله بادئ ذى بدء بطريق المفاوضة,والتحقيق والوساطة,والتوفيق والتحكيم,والتسوية القضائية,أو إن يلجئوا الى المنظمات الإقليمية, او غيرها من الوسائل السلمية التى يختارونها.

2- يدعو مجلس الأمن, أطراف النزاع الى تسوية نزاعهم بالطرق المذكورة اذا رأى

يتبين مما سبق ان عملية التفاوض تعتمد على حقائق هامه تتعلق بفهم عملية التفاوض يمكن تحديدها كما يلى

1- عملية التفاوض تعتمد على منهج متكامل يشتمل على جوانب فنيه ويتطلب مهارات محدده.

2- ان الفرق بين متفاوض واخر يرجع الى تملك هذا او ذاك المتفاوض لمهارات السلوك التفاوضي واستخدامها بكفاءة وفعالية في المواقف المختلفة.

3- إن السلوك التفاوضي هو سلوك إنسان لفظي وادائى وان كان له مقومات وراثية, ومن ثم فان اكتساب المهارات بالتعلم أمر قررته نتائج البحوث والدراسات (شوقي,ابو الثمن,1991, ص39) .

رابعا:عناصر التفاوض الرئيسية

أ- الموقف التفاوضي: يعد التفاوض موقف ديناميكي أي حركي يقوم على الحركة والفعل ورد الفعل إيجابا وسلبا وتأثير أو تأثرا. والتفاوض موقف مرن يتطلب قدرات هائلة للتكيف السريع والمستمر وللمواءمة الكاملة مع المتغيرات المحيطة بالعملية التفاوضية.

وبصفة عامة فان الموقف التفاوضي يتضمن مجموعة عناصر يجب:

1- الترابط: وهذا يستدعي أن يكون هناك ترابط على المستوى الكلي لعناصر القضية التي يتم التفاوض بشأنها أي أن يصبح للموقف التفاوضي (كل) عام مترابط وإن كان يسهل الوصول إلى عناصره وجزئياته.

2- التركيب: حيث يجب أن يتركب الموقف التفاوضي من جزيئات وعناصر ينقسم إليها ويسهل تناولها في إطارها الجزئي وكما يسهل تناولها في إطارها الكلي.

3- إمكانية التعرف والتمييز: يجب أن يتصف الموقف التفاوضي بصفة إمكانية التعرف عليه وتمييزه دون أي غموض أو لبس أو دون فقد لأي من أجزائه أو بعد من أبعاده أو معالمه.

4- الاتساع المكاني والزماني: ويقصد به المرحلة التاريخية التي يتم التفاوض فيها والمكان الجغرافي الذي تشمله القضية عند التفاوض عليها.

5- التعقيد: الموقف التفاوضي هو موقف معقد حيث تتفاعل داخله مجموعة من العوامل وله العديد من الأبعاد والجوانب التي يتشكل منها هذا الموقف ومن ثم يجب الإلمام بهذا كله حتى يتسنى التعامل مع هذا الموقف ببراعة ونجاح.

6- الغموض (الشك) : ويطلق البعض على هذا الموقف (الشك) حيث يجب أن يحيط بالموقف التفاوضي ظلال من الشك والغموض النسبي الذي يدفع المفاوض إلى تقليل دائرة عدم التأكد عن طريق جمع كافة المعلومات والبيانات التي تكفل توضيح التفاوضي خاصة وإن الشك دائما يرتبط بنوايا ودوافع واتجاهات ومعتقدات وراء الطرف المفاوض الآخر.

ب-أطراف التفاوض : يتم التفاوض في العادة بين طرفين، وقد يتسع نطاقه ليشمل أكثر من طرفين نظرا لتشابك المصالح وتعارضها بين الأطراف المتفاوضة. ومن هنا فان أطراف التفاوض يمكن تقسيمها أيضا إلى أطراف مباشرة، وهي الأطراف التي تجلس فعلا إلى مائدة المفاوضات وتباشر عملية التفاوض. وإلى أطراف غير مباشرة وهي الأطراف التي تشكل قوى ضاغطة لاعتبارات المصلحة أو التي لها علاقة قريبة أو بعيدة بعملية التفاوض.

ج: القضية التفاوضية: لابد أن يدور حول (قضية معينة) أو (موضوع معين) يمثل محور العملية التفاوضية وميدانها الذي يتبارز فيه المتفاوضون، وقد تكون القضية، قضية إنسانية عامة، أو قضية شخصية خاصة وتكون قضية اجتماعية، أو اقتصادية أو سياسية، أو أخلاقية… الخ. ومن خلال القضية المتفاوض بشأنها يتحدد الهدف التفاوضي، وكذا غرض كل مرحلة من مراحل التفاوض، بل والنقاط والأجزاء والعناصر التي يتعين تناولها في كل مرحلة من المراحل والتكتيكات والأدوات والاستراتيجيات المتعين استخدامها في كل مرحلة من المراحل (المرجع السابق,

د: أهداف الأطراف المتفاوضة

1- التسوية: بعد فشل الوسائل الأخرى في حل النزاع,تكون وسيلة التسوية للنزاع عن طريق المساومة الدبلوماسية في جو حسن النية المتبادلة, حيث تكون التسوية الهدف الحقيقي للمتفاوضين .

2- الدعاية: قد تسعى الدولة الى تحسين صورتها في المجتمع الدولي وكسب التأييد لموقفها,او تشويه صورة الطرف الآخر وإحراجه في أثناء العملية التفاوضية,وتحميله مسؤولية فشل المفاوضات.

3- المفاوضة: حيث تكون المفاوضات هدفا لذاتها,كونها تبقى قناه حوار مفتوحة مع الخصم.

4- تحسن الوضع العسكري: تستخدم بعض الدول فتره المفاوضات للمماطلة والتسويف,والتضليل والتجسس,والهدف من ذلك تحسين ظروفها وأوضاعها القتالية ومن ثم العودة لأرض المعركة ومواصلة القتال (ابو عامر, 2004،ص207 )

لا تتم أي عملية تفاوض بدون هدف أساسي تسعى إلى تحقيقه أو الوصول إليه وتوضع من أجله الخطط والسياسيات. فبناء على الهدف التفاوضي يتم قياس مدى تقدم الجهود التفاوضية في جلسات التفاوض وتعمل الحسابات الدقيقة، وتجري التحليلات العميقة لكل خطوة. ويتم تقسيم الهدف التفاوضي العام أو النهائي إلى اهداف مرحلية وجزئية وفقا لمدى أهمية كل منها ومدى اتصالها بتحقيق الهدف الإجمالي أو العام أو النهائي.

المطلب الثاني

أولا:مراحل المفاوضات المباشرة

1- التعرف على حاجات الطرف الآخر وتوقعاته من التسوية.

2- بناء التوقعات : يسعى المفاوض خلال هذه المرحلة الى إيجاد شيئا من التعارض في موقف الطرف الآخر ,وذلك من خلال تقديم معلومات واقعيه تناقض ما أدلى به الطرف الآخر.

3- إيجاد الحركة: يحاول المفاوض الفعال خلال هذه المرحلة حمل الطرف الآخر على تقديم تنازلات من اجل تحريك المفاوضات,وإذا كان الوضع المثالي هو ان يبدا بتقديم تنازلات مهمه,فان المتفاوض الفعال يلجأ الى تقديم تنازلات قليلة الأهمية بالنسبة له.

4- التوصل الى اتفاق :بعد انتهاء المفاوضات تلجا الأطراف المتفاوضة إلى كتابة الاتفاقية التى تم التوصل اليها.((

Donald.1982,p.p.39-61

ثانيا:مبادئ التفاوض

يمكن تقسيمها الى نوعين

النوع الأول: مبادئ تتعلق بالمفاوض نفسه والسلوك التفاوضي كما يلى.

1- التركيز على الأشخاص الذين يملكون السلطة والقرار,وتجنب التفاوض مع الذين لا يملكونها.

2- وضع أهداف كمية ونوعيه,وعدم التركيز على الأهداف قصيرة المدى,وإغراء نجاحات مؤقتة,تؤدى الى خسارة اكبر.

3- التحلي بالهدوء والثقة بالنفس,وروح التفاؤل ونشره بين أعضاء الفريق,وذلك لحماية المفاوض وفريقه من الوقوع كفريسة للانفعال,يمكن ان تستغل من قبل الطرف الأخر ,

4- العمل على تفهم حاجات الطرف الآخر,والتعامل معه من موقع قوه المفاوض الناجح ,مع عدم الاستخفاف بالآخرين.

5- الاستعداد الجيد للمفاوضات, وإتقان كيفية الاستفادة من ردود الأفعال,ويفضل عدم التفاوض في حالة عدم الاستعداد الكافي.

6- إخضاع اى مبادرة للتقييم والتحليل,وعدم الاستسلام لضغوط من شانها التأثير,لاتخاذ قرارات متسرعة.(شيخه,1997, ص87)

7- ينبغي التعامل مع الطرف الآخر بوصفه طرفا قويا,ولكن من الممكن التغلب عليه والحذر من لجوء الطرف الآخر من استخدام (إستراتيجية الضعيف )بهدف الخداع والمناورة.

8- اعتماد مبدا السرية,وعدم كشف الأوراق دفعه واحده

9- تهيئة الطرف الآخر لتقبل الاقتناع, بالرأي الذي تتبناه.

10-الابتعاد عن التردد,فالتردد يضعف الموقف التفاوضي

11-يفضل اختتام الجلسة التفاوضية بملاحظه ايجابيه بغض النظر عن نتيجة هذه الجلسة .

النوع الثانى: مبادئ تتعلق بنظام العمل في المفاوضات

1- تغيير مبادئ الاتفاقية أخيرا,يهدد المفاوضات بالفشل

2- ان يعمل أعضاء الفريق وفق الخطة المرسومة,وان يكمل بعضهم بعض.

3- إشاعة جو من الثقة المتبادلة وحسن النية, وخاصة مع بداية الجلسة الافتتاحية,

4- المحافظه على حسن المظهر وكياسة السلوك, وعدم التعجل في في اختزال المهمه التفاوضيه.

5- القناعه بالراى قبل اقناع الاخرين

6- تحليل دوافع من يفتعل الغضب,لمعرفة ان كان دافعه هو الاثاره.

7- ضرورة تفحص بنود الاتفاقيه التى تم اتوصل اليها, وخاصه اذا صاغها الطرف الاخر.(المرجع السابق, ص89)

ثالثا: المهارات الأساسية للتفاوض

1- مهارة جمع وتحليل واستخدام المعلومات

ان المفاوضات بجوانبها المتعددة تستند على المعلومات,ذلك لان هذه العملية تعتمد بدرجه كبيره على مقدار المعلومات المتاحة وإمكانية توظيفها في خدمة الأهداف التفاوضية.ويجب أن تتميز المعلومات ب…

– دقة وتعدد مصادر المعلومات ذات الصلة بجزيئات التفاوض .

– جدة المعلومات التى تتناول موضوعات التفاوض.

– تغطية المعلومات لجوانب التفاوض.

كما يجب ان يستغل المفاوض الجلسه الافتتاحيه لرصد اى اشاره او انطباعات,عن شخصيات وسلوكيات,ودرجة ثقافة المشاركين (شوقى,مرجع سابق,ص93-73).

2- مهارة الاتصال وتبادل المعلومات

الاتصال فن من فنون التفاوض,لان المفاوضات تهدف لاقناع الطرف المقابل بوجهة نظرك,والوصول الى اتفاق, ولتحسين الاتصال بين الاطراف يقترح Scott عدد من الخطوات

– خلق المناخ الودى والملائم

– عرض المعلومات بصوره مبسطه

– الاستفاده من وسائل الاتصال الغير شفهيه

– الانصات بصوره جيده والتركيز وتسجيل الملاحظات وطلب التوضيح(محمد,مرجع سابق, ص306)

3- مهارة اليقظة والتركيز خلال المفاوضات وذلك من خلال

– حدة الذكاء وعمق الفهم وسرعة الخاطر

– استمع جيدا لا تقاطع ودون النقاط الرئيسية,وعند إبداء الراى لا تطيل في المقدمة.

– ليكن سؤالك بسيطا مختصرا ومركزا ويحمل فكره واضحه.

– راقب مدى اطلاع الطرف الثانى عن القضيه وحاول أن تحصل على اكبر قدر من المعلومات لنواياه التفاوضية(الحسن,1993,ص 148).

4-مهارة الإلمام بمعارف متنوعة ذات صله بالتفاوض

إن العملية التفاوضية تفرض على المتفاوض الإلمام بالجوانب,السياسية ,والاداريه,

الاجتماعية, الاقتصاديه, وبمعنى اخر يجب ان يتمتع المفاوض بموسوعية المعرفة المتصلة بموضوع التفاوض ,اضافه الى التخصص الدقيق بموضوعة التفاوض

5- مهارة اعتماد الاستراتيجي المناسبة والمناورة والتكتيك

يعد اختيار ألاستراتيجيه المناسبة والتكتيكات الضروريه لتحقيق الاهداف المرغوبه, مهارة أساسيه تهدف الى تسليح المتفاوض بالوسائل والأساليب التى تجعله قادرا على مقابلة الطرف الآخر وتحركاته ,والتجاوب معه او معارضته عندما يتطلب الأمر ذلك. (شلبى,1980,ص4).

6- مهارة اتخاذ القرار

ان عملية صنع القرار في المفاوضات هى ليست من اجل صناعة قرار واحد ولكنها تشمل سلسله من القرارات المتعاقبه والمترابطة ازاء جميع الإجراءات والخطوات التى يقدم المتفاوض عليها من خلال المراحل المختلفة لعملية التفاوض0 ويركز العديد من الباحثيين لتحسين عملية اتخاذ اقرار على مسائل منها تقدير الاحتمالات,اساليب حل المشاكل,القدره على التنبؤ,تحديد الاهداف,تميز استراتيجية الطرف الأخر,المرونة والتركيز والتفاعل كل ذلك يساعد على مساعدة المفاوض في فهم أفضل لهذه العملية(محمد, مرجع سابق, ص 311)

رابعا:- مميزات المفاوض الناجح

بعد ان اخذ التفاوض مكانته بين مختلف الميادين,اهتم الباحثين في تحديد من هو المفاوض الناجح ,ونتيجه للدراسات والتحليل لشخصيات المفاوضين استنتجوا اهم المزايا والمهارات التى يجب ان يتميز بها المفاوض الناجح ومنها .

1- فن طرح السؤال وذلك من خلال

– لا يسئل اسئله كثيره,ولا يجب ان تكون مباشره.

– لا يوجه اكثر من سؤال في وقت واحد.

– المفاوض الناجح من يكون عنده قدره الاستمرار في المناقشة.

2- الوقت والمفاجأة في التفاوض:- قد تتعثر المفاوضات وتصل الى حائط مسدود,يكون المفاوض أمام أمرين إما إيقاف المفاوضات او الإذعان لإجابة مطالب الطرف الاخر وهما ضد مصلحة التفاوض, وهنا تبرز مهارة المفاوض فى مفاجأة الطرف الاخر باقتراح جديد,وأيضا يطلب وقتا للتفكير والدراسة .

3- مواجهة تكتيك الطرف المفاوض الآخر عن طريق

– فرض جدول أعمال الخاص بك .

– التذرع بحجج محدودية الصلاحية,مثل التذرع بان حريته في العمل والتحرك والصلاحيات محدوده, او التحجج باسباب غير واقعيه

– الادعاء بسابقه مماثله,وعلى المفاوض المقابل الرد بان الظروف السابقه لم تعد قابله للتطبيق,ولا تلائم التطورات في الوقت الحالى.

– اللعب على الرزنامه واستغلال الوقت, وذلك عن طريق معرفة ظروف السفر للطرف الاخر ثم يناور,ويطيل حتى يقترب موعد سفر الطرف الاخر ثم تثار المواضيع بشكل مكثف فتربك الطرف الاخر .(الحسن,مرجع سابق,ص117-124)

4-مهارات اخرى هامه ومنوعه مثل

– المفاوض الناجح من يحدد موضوعه وفق استراتيجيته,ويستخدم التكتيكات المناسبه,فيسعى للحصول على المعلومات بلباقه ودبلوماسيه.

– المفاوض الناجح من يشعر الطرف الآخر بالراحة والاستعداد للكلام,فلكل إنسان ميل الى ان يعترف بقيمته

– المفاوض الناجح من يتقن فن الاستماع ( الحسن,المرجع السابق,ص125).

نتائج البحث

1- تعتبر المفاوضات المباشره من افضل الوسائل السلميه في حل النزاعات.

2- تطبيق قواعد واسس ومبادئ المفاوضات المباشره من اهم عوامل نجاح حل النزاعات

3- تعتبر المفاوضات المباشره علم له موضوعه,ومنهجهوالامر الذى يحتم اقامة المعاهد المتخصصه,في دراسة هذا العلم.

4- يشترط في نجاح واستمرار نتائج المفاوضات, ان تبنى على قاعده المصلحه المشتركه.

دكتور دولة الاستاذ عزالدين بن سالم

إعلان مانيلا بشأن تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية

إعلان مانيلا بشأن تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية

اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 37/10
المؤرخ في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1982

إن الجمعية العامة،
إذ تعيد تأكيد المبدأ الوارد في ميثاق الأمم المتحدة والقائل بأن على جميع الدول أن تسوى منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية، على نحو لا يعرض للخطر السلم والأمن الدوليين والعدالة،
وإذ تدرك أن ميثاق الأمم المتحدة يتضمن الوسائل اللازمة للتسوية السلمية للمنازعات الدولية التي يحتمل أن يؤدي استمرارها إلى تعريض صون السلم والأمن الدوليين للخطر، ويوفر إطاراً جوهرياً لهذه التسوية،
وتسليماً منها بأهمية دور الأمم المتحدة وبضرورة زيادة فعاليتها في تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية وفي صيانة السلم والأمن الدوليين، وفقاً لمبادئ العدالة والقانون الدولي، طبقاً لميثاق الأمم المتحدة،
وإذ تؤكد من جديد المبدأ الوارد في ميثاق الأمم المتحدة والقاضي بأن تمتنع جميع الدول في علاقاتها الدولية عن التهديد بالقوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو بأي طريقة أخرى لا تتفق مع مقاصد الأمم المتحدة،
وإذ تكرر التأكيد على أنه ليس من حق أية دولة أو مجموعة من الدول أن تتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولأي سبب كان، في الشئون الداخلية أو الخارجية لأية دولة أخرى،
وإذ تؤكد من جديد إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة،1
وإذ تضع نصب عينيها أهمية صيانة وتدعيم السلم والأمن الدوليين وتنمية العلاقات الودية بين الدول بغض النظر عن نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو مستويات تنميتها الاقتصادية،
وإذ تؤكد من جديد إعلان مبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير على النحو الوارد في ميثاق الأمم المتحدة والمشار إليه في إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وفي غيره من قرارات الجمعية العامة المتصلة بالموضوع،
وإذ تشدد على ضرورة امتناع جميع الدول عن أي عمل من أعمال القوة يحرم الشعوب، ولا سيما الشعوب الواقعة تحت نظم الحكم الاستعمارية والعنصرية أو غير ذلك من أشكال السيطرة الأجنبية، من حقها غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وفي الحرية والاستقلال، على نحو ما أشير إليه في إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة،
وإذ تضع في اعتبارها الصكوك الدولية الراهنة، وكذلك ما في كل منها من مبادئ أو قواعد بشأن تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، بما في ذلك استنفاد سبل الانتصاف المحلية حيثما أمكن ذلك،
وتصميماً منها على تعزيز التعاون الدولي في الميدان السياسي وعلى تشجيع التطوير التدريجي للقانون الدولي وتدوينه، وخاصة فيما يتصل بتسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية،
تعلن رسمياً ما يلي:
أولاً
1- تتصرف جميع الدول بحسن نية وطبقاً للمقاصد والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، بهدف تفادي قيام منازعات فيما بينها يحتمل أن تضر بالعلاقات الودية بين الدول مسهمة بذلك في صيانة السلم والأمن الدوليين. وتعيش معاً في سلم، وفي حسن جوار، وتسعى إلى اعتماد تدابير بناءة لتعزيز السلم والأمن الدوليين.
2- تسوي كل دولة منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية وحدها، على نحو لا يعرض للخطر السلم والأمن الدوليين والعدالة.
3- تسوى المنازعات الدولية على أساس تساوي الدول في السيادة ووفقاً لمبدأ حرية الاختيار بين الوسائل وفقاً للالتزامات المضطلع بها بموجب ميثاق الأمم المتحدة وفقاً لمبادئ العدالة والقانون الدولي. وكل لجوء أو قبول لأسلوب للتسوية تتفق عليه دول ما اتفاقاً حراً بصدد المنازعات الراهنة أو المقبلة التي تكون أطرافاً فيها، لا يعتبر متنافياً مع تساوي الدول في السيادة.
4- تواصل الدول الأطراف في نزاع ما التقيد في علاقاتها المتبادلة بالتزاماتها التي تضطلع بها بموجب المبادئ الأساسية للقانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول واستقلالها وسلامتها الإقليمية، وكذلك غيرها من مبادئ وقواعد القانون الدولي المعاصر المعترف بها على وجه العموم.
5- تلتمس الدول بحسن نية وبروح تعاونية تسوية مبكرة ومنصفة لمنازعاتها الدولية، بأي من الوسائل التالية: التفاوض، أو التحقيق، أو الوساطة، أو التوفيق، أو التحكيم، أو التسوية القضائية، أو اللجوء إلى الترتيبات أو المنظمات الإقليمية، أو أية وسيلة سلمية أخرى تختارها هي ذاتها، بما في ذلك المساعي الحميدة، وعلى الأطراف، في التماس التسوية المذكورة، أن تتفق على الوسيلة السلمية التي تتلاءم مع ظروف نزاعها وطبيعته.
6- تبذل الدول الأطراف في ترتيبات أو منظمات إقليمية قصارى جهدها لتسوية منازعاتها المحلية بالوسائل السلمية عن طريق الترتيبات أو المنظمات الإقليمية المذكورة قبل إحالتها إلى مجلس الأمن. وهذا لا يمنع الدول من توجيه نظر مجلس الأمن أو الجمعية العامة إلى أي نزاع وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
7- في حالة إخفاق الأطراف في نزاع ما في التوصل إلى حل مبكر بأي من وسائل التسوية المذكورة أعلاه، عليها مواصلة التماس حل سلمي والتشاور فوراً بشأن وسائل تتفق عليها اتفاقاً متبادلاً لتسوية النزاع سلمياً. وفي حالة إخفاق الأطراف في أن تسوي، بأي من الوسائل المذكورة أعلاه، نزاعاً يحتمل أن يعرض استمراره السلم والأمن الدوليين للخطر، فعليها إحالته إلى مجلس الأمن وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ودون المساس بوظائف وسلطات مجلس الأمن المنصوص عليها في الأحكام المتصلة بذلك من الفصل السادس من الميثاق.
8- تمتنع الدول الأطراف في نزاع دولي ما، وغيرها من الدول كذلك، عن أي تصرف كان، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الحالة بحيث يهدد صون السلم والأمن الدوليين ويزيد من عسر تسوية النزاع بالوسائل السلمية أو يحول دون ذلك، وتتصرف في هذا الصدد وفقاً لمقاصد ومبادئ الأمم المتحدة.
9- ينبغي للدول أن تنظر في عقد اتفاقات من أجل تسوية المنازعات القائمة فيما بينها بالوسائل السلمية. وينبغي لها أيضاً أن تدرج في ما تعقده من اتفاقات ثنائية أو اتفاقيات متعدد الأطراف، حسب الاقتضاء، أحكاماً فعالة من أجل التسوية السلمية للمنازعات التي تنشأ عن تفسير تلك الاتفاقات أو الاتفاقيات أو عن تطبيقها.
10- ينبغي للدول، دون المساس بحق حرية الاختيار بين الوسائل، أن تضع في حسبانها أن المفاوضات المباشرة هي وسيلة مرنة وفعالة لتسوية منازعاتها بالوسائل السلمية. فإذا هي اختارت المفاوضات المباشرة فينبغي لها أن تتفاوض على نحو بناء، بغية التوصل إلى تسوية مبكرة تقبل بها الأطراف. وينبغي كذلك أن تكون الدول على استعداد لالتماس تسوية لمنازعاتها بغير ذلك من الوسائل المذكورة في هذا الإعلان.
11- تنفذ الدول بحسن نية، ووفقاً للقانون الدولي، جميع أحكام الاتفاقات التي عقدتها من أجل تسوية منازعاتها.
12- بغية تيسير ممارسة الشعوب المعنية لحق تقرير المصير على النحو المشار إليه في إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة يمكن أن تكون للأطراف في نزاع ما إذا اتفقت على ذلك وحسب الاقتضاء، إمكانية اللجوء إلى ما يتلاءم مع نزاعها من الإجراءات المذكورة في هذا الإعلان من أجل تسوية النزاع بالوسائل السلمية.
13- ليس في وجود نزاع ما، ولا في إخفاق إجراء ما من إجراءات تسوية المنازعات بالوسائل السلمية، ما يسمح باستعمال القوة أو التهديد بالقوة من قبل أي من الدول الأطراف في النزاع.
ثانياً
1- تفيد الدول الأعضاء إفادة تامة من أحكام ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك الإجراءات والوسائل المنصوص عليها فيه، وخاصة في الفصل السادس، بشأن تسوية المنازعات بالوسائل السلمية.
2- تفي الدول الأعضاء بحسن نية بالالتزامات التي تضطلع بها بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وينبغي لها، وفقاً للميثاق وحسب الاقتضاء، أن تضع في الاعتبار على النحو الواجب توصيات مجلس الأمن المتصلة بتسوية المنازعات بالوسائل السلمية. وينبغي لها أيضاً، وفقاً للميثاق وحسب الاقتضاء، أن تضع في حسبانها على النحو الواجب التوصيات المعتمدة من جانب الجمعية العامة، رهناً بأحكام المادتين 11 و 12 من الميثاق في ميدان تسوية المنازعات بالوسائل السلمية.
3- تجدد الدول الأعضاء تأكيد الدور الهام الذي يسنده ميثاق الأمم المتحدة إلى الجمعية العامة في ميدان تسوية المنازعات بالوسائل السلمية وتشدد على ضرورة تمكينها من النهوض بمسئولياتها على نحو فعال. وعليه ينبغي لها:
(أ) أن تضع في الاعتبار أن للجمعية العامة أن تناقش أية حالة، أياً كان منشؤها، ترى من المحتمل أن تخل بالرفاه العام أو بالعلاقات الودية فيما بين الدول، وأن توصي، رهناً بالمادة 12 من الميثاق، بتدابير لتسويتها بالوسائل السلمية؛
(ب) أن تنظر في اللجوء، عندما ترى ذلك مناسباً، إلى إمكانية توجيه انتباه الجمعية العامة إلى أي نزاع أو أي حالة قد يفضيان إلى احتكاك دولي أو يؤديان إلى نشوب نزاع؛
(ج) أن تنظر في الاستعانة، من أجل تسوية منازعاتها بالوسائل السلمية، بالأجهزة الفرعية المنشأة من قبل الجمعية العامة في معرض أداء وظائفها بموجب الميثاق؛
(د) أن تنظر، عندما تكون أطرافاً في نزاع سبق توجيه انتباه الجمعية العامة إليه، في اللجوء إلى مشاورات في إطار الجمعية العامة، بهدف تيسير نزاعها في وقت مبكر.
4- ينبغي للدول الأعضاء أن تعزز الدور الرئيسي لمجلس الأمن كيما يستطيع الاضطلاع على نحو كامل وفعال بمسئولياته، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، في مجال تسوية المنازعات أو أية حالة يحتمل أن يعرض استمرارها صون السلم والأمن الدوليين للخطر. وتحقيقاً لهذه الغاية، ينبغي لها:
(أ) أن تكون على بينة كاملة من التزامها بأن تحيل إلى مجلس الأمن أي نزاع تكون أطرافاً فيه إذا أخفقت في تسويته بالوسائل المشار إليها في المادة 33 من الميثاق؛
(ب) أن تزيد من الاستعانة بإمكانية توجيه انتباه مجلس الأمن إلى أي نزاع أو إلى أية حالة يمكن أن يفضيا إلى احتكاك دولي دون أن يؤديا إلى نشوب نزاع؛
(ج) أن تشجع مجلس الأمن على التوسع في استغلال الفرص التي ينص عليها الميثاق بغية استعراض المنازعات أو الحالات التي يحتمل أن يؤدي استمرارها إلى تعريض صون السلم والأمن الدوليين للخطر؛
(د) أن تنظر في زيادة الاستعانة بما لمجلس الأمن من أهلية لتقصي الحقائق وفقاً للميثاق؛
(هـ) أن تشجع مجلس الأمن على التوسع في الاستعانة بالأجهزة الفرعية المنشأة من قبله في معرض أدائه لمهامه بمقتضى الميثاق وذلك كوسيلة لتعزيز تسوية المنازعات بالوسائل السلمية؛
(و) أن تضع في اعتبارها أن لمجلس الأمن، في أية مرحلة من إحدى المنازعات الموصوفة في المادة 33 من الميثاق أو من حالة ذات طبيعة مماثلة، أن يوصي بإجراءات أو أساليب مناسبة للتسوية؛
(ز) أن تشجع مجلس الأمن على التصرف دون إبطاء، وفقاً لمهامه وسلطاته، خصوصاً في الحالات التي تتطور فيها المنازعات الدولية إلى صراعات مسلحة.
5- ينبغي أن تكون الدول على بينة تامة من دور محكمة العدل الدولية، التي هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. ويوجه انتباه الدول إلى التسهيلات التي تقدمها محكمة العدل الدولية لتسوية المنازعات القانونية، خصوصاً منذ تعديل نظام عمل المحكمة.
وللدول أن تعهد إلى محاكم أخرى بحل خلافاتها بالاستناد إلى الاتفاقات القائمة من قبل أو التي قد تعقد في المستقبل.
وينبغي للدول أن تضع في الاعتبار:
(أ) أنه ينبغي، كقاعدة عامة، أن تحيل الأطراف منازعاتها القانونية إلى محكمة العدل الدولية، وفقاً لأحكام النظام الأساسي للمحكمة؛
أن من المرغوب فيه أن تقوم بما يلي:
"1" أن تنظر في إمكانية تضمين المعاهدات، حسب الاقتضاء، أحكاماً تقضي بأن تعرض على محكمة العدل الدولية المنازعات التي قد تنشأ عن تفسير المعاهدات المذكورة أو تطبيقها؛
"2" أن تدرس إمكانية اختيارها، في نطاق حرية ممارسة سيادتها، الاعتراف بكون ولاية محكمة العدل الدولية ولاية جبرية، وفقاً للمادة 36 من نظامها الأساسي؛
"3" أن تستعرض إمكانية تحديد الحالات التي يمكن اللجوء فيها إلى محكمة العدل الدولية.
وينبغي لأجهزة الأمم المتحدة وللوكالات المتخصصة أن تدرس مدى استصواب الاستفادة من إمكانية التماس الفتاوى من محكمة العدل الدولية بخصوص المسائل القانونية التي تدور في نطاق أنشطتها، شريطة أن يكون مرخصاً لها بذلك وفق الأصول.
وينبغي ألا يعتبر اللجوء إلى القضاء من أجل تسوية المنازعات القانونية، ولا سيما إحالة هذه المنازعات إلى محكمة العدل الدولية، عملاً غير ودي بين الدول.
6- ينبغي للأمين العام أن يضع موضع الاستخدام التام أحكام ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالمسئوليات المسندة إليه. وللأمين العام أن يوجه انتباه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها قد تهدد صيانة السلم والأمن الدوليين. وعليه أن يؤدي أية مهام أخرى يعهد بها إليه مجلس الأمن أو الجمعية العامة. وعليه تقديم تقارير في هذا الصدد إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة كلما طلب منه ذلك.
تحث جميع الدول على أن تلتزم وتعزز بحسن نية أحكام هذا الإعلان في تسوية منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية؛
تعلن أنه ليس في هذا الإعلان ما يجوز تأويله على أنه يخل على أي نحو بأحكام الميثاق المتصلة بالموضوع أو بحقوق وواجبات الدول أو بنطاق وظائف وسلطات أجهزة الأمم المتحدة بمقتضى الميثاق، ولا سيما تلك المتصلة بالتسوية السلمية للمنازعات؛
تعلن أنه ليس في هذا الإعلان ما يمكن أن يمس على أي نحو بما هو مستمد من الميثاق من حق في تقرير المصير والحرية والاستقلال للشعوب المحرومة من هذا الحق بالقوة والمشار إليها في إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما الشعوب الخاضعة لنظم استعمارية أو عنصرية أو لأشكال أخرى من السيطرة الأجنبية، ولا بحق هذه الشعوب في الكفاح من أجل ذلك الهدف وفي التماس الدعم وتلقيه وفقاً لمبادئ الميثاق وطبقاً للإعلان السابق الذكر،
تشدد على أن من الضروري، وفقاً للميثاق، مواصلة الجهود من أجل تدعيم عملية تسوية المنازعات بالوسائل السلمية عن طريق التطوير التدريجي للقانون الدولي وتدوينه، حسب الاقتضاء وعن طريق تعزيز فعالية الأمم المتحدة في هذا الميدان.
_______________________
1- القرار 2625 (د- 25)، المرفق.

الثلاثاء، 12 يناير 2016

مسئولية الدولة عن أعمال السلطة التنفيذية ،،، الأستاذ الدكتور/ رمضان محمد بطيخ

مسئولية الدولة عن أعمال السلطة التنفيذية
الأستاذ الدكتور/ رمضان محمد بطيخ
أستاذ ورئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق
جامعة عين شمس - مصــر
تتعدد فى الواقع أعمال السلطة التنفيذية وهى ما يقال لها أعمال الإدارة les actes de P’administration. وهذه الأعمال رغم تعددها لا تخرج عن أن تكون إما أعمالا قانونية actes juridiques تتم سواء بإرادة منفردة وهى القرارات الإدارية اللائحية والفردية وتهدف إلى أحداث تغيير فى المراكز القانونية القائمة، أو تتم بتقابل أو توافق إرادتين وهى العقود الإدارية، وإما أن تكون أعمالا مادية actes matérelles، تتم فى شكل وقائع أو حوادث مثل قيام أحد رجال البوليس بالاعتداء بالضرب على أحد الأفراد، أو قيام عامل البريد بإصابة شخص بالسيارة الحكومية التى يقودها، أو قيام جهة الإدارة ببناء مصنع أو خزان مياه.... فمثل هذه الأعمال وكما هـــــو واضـــح ليس من شأنها أن تعدل فى المراكز القانونية القائمة للأفراد.
فإذا ما استبعدنا من هذا المجال الأعمال التى تتم بتوافق إرادتين وهى العقود الإدارية، وما قد يترتب عليها من مسئولية يقال لها المسئولية العقدية حيث تفرد لها مؤلفات مستقلة وتحكمها قواعد موضوعية غالبا ما تدرس فى مؤلفات القانون الإدارى ضمن موضوعات نشاط الإدارة العامة، إذا استبعدنا ذلك، فإن كافة أعمال السلطة التنفيذية أو كافة أعمال الإدارة الأخرى هى التى تندرج فى إطار البحث الذى نحن بصدده، والخاص بمدى مسئولية الدولة عنها أو كما يقال لها عادة المسئولية غير العقدية. وهذه هى التى يتناولها الفقهاء سواء فى فرنسا أم فى مصر فى إطار مؤلفات الرقابة القضائية على أعمال الإدارة.
والمسئولية غير العقدية على هذا النحو تنطوى على نوعين من المسئولية: المسئولية عن القرارات الإدارية، الفردية منها واللائحية، والمسئولية عن الأعمال المادية. فما هى القاعدة المستقرة فى هذا الشأن؟ هل هى مسئولية الدولة عن هذه الأعمال؟ أم أن القاعدة هى عدم المسئولية عنها؟
على عكس مدى مسئولية الدولة عن أعمال السلطة التشريعية سواء فى فرنسا أم فى مصر، والسلطة القضائية على الأقل فى مصر، حيث القاعدة السائدة والمستقرة وهى عدم مسئولية الدولة عن أعمال هاتين السلطتين، فإن القاعدة السائدة والمستقرة فى خصوص مدى المسئولية عن أعمال السلطة التنفيذية بالتحديد السابق، أى المسئولية غير العقدية. هى مسئولية الدولة عن هذه الأعمال.
مع ملاحظة أن مسئولية الدولة عن أعمالها المادية وقراراتها الإدارية على هذا النحو لم تكن مبدأ مسلما به منذ البداية، حيث كانت القاعدة من قبل هى عدم المسئولية، إلا أنه نظرا لتطور الحياة وتدخل الدولة فى مختلف المجالات الفردية، وزيادة المرافق العامة، ومن ثم زيادة اتصال الأفراد بهذه المرافق، إضافة إلى أن أعمال السلطة التنفيذية تختلف عن أعمال كل من السلطتين التشريعية والقضائية حيث لا تحاط بالضمانات الكافية لصالح الأفراد(1)، فقد كان من نتيجة ذلك أن امتدت الرقابة القضائية لتشمل كافة هذه الأعمال سواء بإلغائها إذا كانت مخالفة لمبدأ المشروعية أو بتقرير التعويض عن آثارها الضارة، أو بالأمرين معا؛ وبالتالى فقد أصبحت القاعدة هى مسئولية الدولة عن أعمال السلطة التنفيذية غير التعاقدية.
بل وبعد أن كانت تطبق على هذه المسئولية قواعد القانون المدنى، أصبحت تطبق الآن، ومنذ صدور حكم مجلس الدولة الفرنسى الشهير "بلانكو" Blanco عام 1873، قواعد خاصة تتلاءم مع طبيعة المنازعات الإدارية، وتختلف من ثم بحسب حاجات المرافق العامة وضرورة التوفيق بين حقوق الدولة ومصالح الأفراد.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن القضاء الإدارى كان يتشدد فى بداية الأمر فى شروط المسئولية الإدارية، مراعاة للصالح العام، وحتى لا يشل عمل جهة الإدارة، ولذلك كان يتطلب لقيام هذه المسئولية ليس فقط ضرورة أن يكون هناك خطأ، وإنما يجب أن يكون هذا الخطأ جسيما. ولكن مع تطور المبادئ الديمقراطية وبالأخص مبدأ المساواة بين المواطنين أمام الأعباء العامة، بدأ هذا القضاء يخفف من حدة تلك الشروط، بل وبدأ يوازن بين اعتبارات الصالح العام واعتبارات العدالة فى تعويض الأفراد عما يصيبهم من أضرار نتيجة ممارسة النشاط الإدارى.
من هنا فقد أقام المسئولية فى هذه الحالة ليس على أساس الخطأ وإنما على أساس المخاطر le risqué أو تحمل التبعة، والتى تعنى أن مسئولية الإدارة عن أعمالها غير التعاقدية تقوم بمجرد حدوث ضرر سببه إحدى هذه الأعمال حتى ولو كان هذا العمل مشروعا أو غير خاطئ كم سنرى فيما بعد. ويكون القضاء الإدارى بذلك قد أقام هذه المسئولية على ركنى الضرر وعلاقة السببية بين هذا الضرر وبين تصرفات الإدارة فقط.
وإذا كان مبدأ مسئولية الدولة عن جميع أعمالها غير التعاقدية أصبح خارج نطاق كل جدل أو نقاش، مما يعنى أنه يتحتم على جهة الإدارة أن تقوم بتعويض الأفراد عن الأضرار التى تصيبهم من جراء تلك الأعمال سواء أكان ذلك على أساس فكرة الخطأ أم على أساس فكرة المخاطر أو تحمل التبعة؛ إلا أن هناك استثناء خطيرا يرد على هذا المبدأ، استثناء ممقونا من قبل معظم رجال الفقه لا فرق فى ذلك بين فقه القانون العام أم فقه القانون الخاص ألا وهو الاستثناء الخاص بأعمال السيادة. تلك الأعمال التى تمثل سمة لطائفة من التصرفات التى تباشرها السلطة التنفيذية. ولا تخضع فى خصوصها لأية رقابة قضائية سواء من جانب القضاء العادى أو من جانب القضاء الإدارى. فهذه الأعمال لا تكون فى الواقع محلا لإلغاء أو تعويض أو وقف تنفيذ أو فحص مشروعية – ومن ثم يقف القضاء أمامها عاجزا، معلنا فقط عدم اختصاصه بنظرها حتى ولو كانت تمس حقوق الأفراد وحرياتهم.
هذا وقد تعددت المعايير التى قيل بها لتمييز تلك الأعمال؛ فقد قيل مثلا بمعيار الباعث السياسى، وطبقا له يعتبر العمل الذى تتخذه السلطة التنفيذية من أعمال السيادة إذا كان الباعث عليه، أو الدافع إليه سياسيا. ومعيار طبيعة العمل الذاتية والذى مؤداه أنه يجب النظر – لتحديد طبيعة أعمال السيادة – إلى العمل فى ذاته أو فى موضوعه دون اعتداد بالدافع أو الباعث عليه. كما قيل بمعيار العمل المشترك أو الأعمال المختلطة، وطبقا له أعمال السيادة هى الأعمال التى تأتيها السلطة التنفيذية بمناسبة علاقتها بسلطة أخرى لا تخضع لرقابة القضاء الإدارى، وأخيراً فقد قيل بمعيار القائمة القضائية وهى المعيار المعتمد الآن فى مختلف دول العالم، ويقصد به أن أعمال السيادة هى تلك الأعمال التى يضفى عليها القضاء هذه الصفة، فالمرجع إذن فى هذا المعيار – لتحديد ما إذا كان العمل من أعمال السيادة أم من الأعمال الإدارية - هو القضاء. فالقاضى يظل – والحال هكذا – هو سيد الموقف. بمعنى أنه هو وحده الذى يملك وصف العمل المطعون فيه بأنه من أعمال السيادة أو أنه ليس كذلك، وأنه عمل معدوم أو أنه ليس كذلك. وهكذا يستطيع أن يضيق من دائرة أعمال السيادة التى لا يختص بنظرها وأن يوسع فيها. أما المشرع فلا يملك حتى بقانون أن يصف عملا ما تصدره السلطة التنفيذية بأنه من أعمال السيادة( 2)
وعلى أية حال وأيا كان المعيار المعتمد فى هذا الشأن، فإن نظرية أعمال السيادة، ومهما قيل فى شأنها من أنها نقطة سوداء فى جبين المشروعية، أو أنها تمثل ثغرة خطيرة فى جسد الديمقراطية، فهى نظرية قائمة ولا يمكن إنكارها، كما لا تخضع جهات الإدارة فى خصوصها للرقابة القضائية سواء لرقابة الإلغاء فى حالة مخالفة مبدأ المشروعية أم لرقابة التعويض لجبر ما يترتب عليها للمواطنين من ضرر، الأمر الذى يعنى حرمان هؤلاء المواطنين من أهم ضمانة فعالة لحماية حقوقهم وحرياتهم التى تمسها تلك النظرية.
ولكن هل هناك من مبررات لعدم مسئولية الدولة عن أعمال السيادة؟
يصعب فى واقع الأمر إنكار وجود نظرية أعمال السيادة مادام أن المشرع سواء فى مصر أو فى غيرها من الدول الأخرى قد اعترف بها وقررها بنصوص صريحة لا يمكن التغاضى عنها. ولذا دأب كثير من رجال الفقه على البحث عن مبررات لعدم مسئولية الدولة عن تعويض الأضرار الناجمة عن هذه الأعمال، بل وعلى البحث عن مبررات لعدم خضوعها كلية للرقابة القضائية بحيث يستحيل إلغاء تلك الأعمال أو التعويض عنها، فى حين ذهب جانب آخر من الفقه إلى محاولة إخضاعها لقضاء التعويض دون الإلغاء باعتبار أن ذلك يمثل أخف الضررين.
وعلى ذلك نتناول فى فرعين مستقلين الموضوعين التاليين:
الموضوع الأول: المبررات التى قيل بها لاستبعاد أعمال السيادة من مجال الإلغاء والتعويض.
الموضوع الثانى: المبررات التى قيل بها للتعويض عن أعمال السيادة دون إلغائها.
الفرع الأول
المبررات التى قيل بها لاستبعاد أعمال السيادة
عن مجال الإلغاء والتعويض
هناك فى الواقع مبررات قيل بها لاستبعاد أعمال السيادة من مجال التعويض تتمثل فى الآتى(3):
حول هذه المبررات انظر:
نظرية أعمال السيادة للدكتور/ عبد الفتاح ساير داير، دكتوراه ، جامعة القاهرة، عام 1954 ، ص 215 ومابعدها؛ أمال السيادة فى القانون المصرى والمقارن للدكتور/ حافظ هريدى، دكتوراه، جامعة القاهرة،
أولا: أن أعمال السيادة إنما وجدت كأداة للتصالح بين كل من السلطتين القضائية والتنفيذية، بحيث يباح لهذه السلطة الأخيرة أن تأتى هذه الأعمال ولا تصبح مسئولة عنها، فى مقابل الحفاظ على بقاء واستمرار مجلس الدولة. فقد ذكرنا من قبل أن مجلس الدولة الفرنسى وعلى أثر الإطاحة بإمبراطورية نابليون وعودة الملكية عام 1814، عمل من جانبه على مهادنة الحكومة ومحاولة استرضائها حتى يتجنب الغدر من جانبها، ويحافظ على بقائه كثمرة من ثمار نابليون. من هنا فقد اتبع سياسة قضائية مرنة تمثلت فى تنازله عن رقابة طائفة من أعمال السلطة التنفيذية، هى ما يقال لها أعمال السيادة، مقابل أن يراقب بقية الأعمال الأخرى. وهكذا اعتبرت أعمال السيادة بمثابة الفدية التى افتدى بها مجلس الدولة بقاءه من ناحية، ومباشرته لباقى اختصاصاته الرقابية من ناحية أخرى.
كما هو واضح تجسد هذه الحجة المرحلة التاريخية التى ظهرت فيها نظرية أعمال السيادة، والتى لا يمكن أن تكون مبررا حقيقيا لعدم التعويض عن الأضرار التى تسببها للمواطنين، ذلك أن مجلس الدولة الفرنسى لم يعد الآن فى حاجة إلى مهادنة الحكومة بعد أن قويت شوكته واستقام عوده واستقر وضعه، بل لا نبالغ إذا قلنا أن الحكومة تخشى الآن مجلس الدولة وتعمل دائما على مهادنته والتقرب منه بعد أن أصبح حاميا حقيقيا لحقوق الأفراد وحرياتهم. إضافة إلى أن فكرة التصالح بين السلطتين التنفيذية والقضائية ينبغى ألا تكون على حساب الأفراد وذلك بحرمانهم من تعويض الأضرار التى تتسبب فيها بعض أعمال السلطة التنفيذية.
ثانيا: من المبررات التى قيل بها فى هذا المجال أيضا، أن أعمال السيادة، إنما تعد من قبيل الأعمال السياسية التى تباشرها الدولة، والأعمال السياسية لا يجب أن تكون محلا لمخاصمات قضائية، ومن ثم يجب ألا تراقب إلا من قبل هيئة سياسية مثل البرلمان. ومعنى ذلك أن أعمال السيادة بصفتها أعمالاً سياسية لا تخضع ولا يجب أن تخضع لرقابة القضاء الإدارى بما تتطلبه هذه الرقابة من إعادة تقدير وتقييم للوقائع وما ترمى إليه من أغراض وأهداف؛ خاصة أن مسألة التمييز بين ما يعتبر من الأعمال السياسية وتلك التى يعتبر من الأعمال الإدارية، تعد مسألة سياسية لا يصلح القضاء لتحديدها.
فى الواقع من الأمر لا تصلح هذه الحجة مبررا لعدم التعويض عن أعمال السيادة، إذ ليس هناك ما يمنع من تقرير هذا التعويض دون إعادة تقدير وتقييم لوقائع تلك الأعمال، وذلك فى حالة ما إذا كان مبنى أو أساس هذا التعويض فكرة المخاطر أو تحمل التبعة، إذ فى هذه الحالة يكتفى فقط بأن يتبين أن هناك ضررا أصاب المواطنين، وأن سبب هذا الضرر عمل من أعمال السيادة. وهكذا يمكن القول فى مثل هذه الحالة أن القضاء – عند إقراره للتعويض عن أعمال السيادة – لا يتعرض لتلك الأعمال فى ذاتها. وإنما فقط لما تحدثه من ضرر للمواطنين؛ فهو لا يتدخل فى الواقع فى مضمونها وفحواها أو فى مدى سلامتها أو عدم سلامتها.
ثالثا: كما قيل أيضا كمبرر لعدم إلغاء أعمال السيادة أو التعويض عنها أن سلامة الدولة فوق القانون، وبما أن القانون وسيلة لا غاية، وسيلة للمحافظة على سلامة الدولة وبقاء كيانها، فإنه يجب الاعتراف للحكام بالخروج على القانون كلما اقتضت الظروف ذلك، مادام فى هذا الخروج تحقيقا للغاية التى وجد القانون لتحقيقها وهى سلامة الدولة.
وهذا التبرير لا يكفى فى واقع الأمر لمنع التعويض عن أعمال السيادة، إذ المطلوب هو تعويض الأضرار المترتبة على هذه الأعمال لما فى ذلك من تحقيق لصالح الأفراد الذين أضيروا من جراء تلك الأعمال ولا علاقة لذلك بالحفاظ على سلامة الدولة، فهذا أمر آخر لا يؤثر فيه دفع مثل هذا التعويض.
رابعا: وأخيرا برر البعض عدم التعويض عن أعمال السيادة استناداً إلى نص المادة رقم 26 من قانون مجلس الدولة الفرنسى الصادر بتاريخ 24 مايو 1872، ونص المادة 47 من قانون 3 مارس 1849 التى تقرر حق الوزراء فى أن يحيلوا القضايا التى تخرج من اختصاص مجلس الدولة إلى محكمة التنازع. فقد ذهبوا فى تفسيرهم لهذا النص بأن المقصود بالقضايا التى لا تدخل فى اختصاص مجلس الدولة هى أعمال السيادة ويمكن أن تدخل ضمن ذلك أيضا النصوص التى تحرم التعويض، لأعمال السيادة فى القانون المصرى(نص المادة رقم 17 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972، ونص المادة11 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972)
بداءة هذا التبرير ليس محل اتفاق بين الفقهاء حيث يرى البعض منهم أن النص المذكور لا يقصد به أعمال السيادة، وإنما يقصد به تحقيق التوازن بين جهتى القضاء العادى والإدارى. ومن ناحية أخرى فإن نصوص القانون وحدها لا تعتبر سندا حقيقيا لتبرير عدم المسئولية عن أعمال السيادة. إذ أن تعديل هذه النصوص أمر ممكن وجائز طالما أن طبيعة العلاقة لا تتنافى مع هذا التعديل(4).

الفرع الثانى
المبررات التى قيل بها للتعويض عن أعمال السيادة دون إلغائها
أمام التسليم بقيام وجود نظرية أعمال السيادة كواقع فعلى وقانونى فى كافة المجتمعات تقريبا، وأمام التسليم كذلك بضرورة تحصين مثل هذه الأعمال ضد رقابة الإلغاء، لما فى هذه الرقابة من إمكانية مناقشة هذه الأعمال وفحصها وتقدير مدى سلامتها من عدمه، وهو ما يتنافى مع مصالح الدولة العليا، فقد طالب كثير من رجال الفقه بأن يكون البديل الأمثل لذلك هو تعويض الأفراد عن الأضرار التى تصيبهم من جرائها، بمعنى أنه طالما يستحيل إنكار أعمال السيادة، وكما يستحيل كذلك إلغاؤها، فلا أقل من إباحة دعوى التعويض للمواطنين فى خصوصها. فالذى يهم الحكومة أولا وقبل كل شىء هو بقاء أعمال السيادة دون إلغائها فما الذى يضيرها إذن من تعويض الأفراد الذين نالهم ضرر من جرائها. بل وتأكيدا لعدم المساس بأعمال السيادة فى ذاتها سواء من ناحية الحكم على مسلك الإدارة حيالها، أى من ناحية فحص مشروعيتها لمعرفة ما إذا كانت الدولة قد أخطأت فى خصوصها أم لم تخطيء ، أم من ناحية مدى ملاءمتها، يقرر الفقه أن أساس التعويض فى هذه الحالة ليس هو فكرة الخطأ، وإنما فكرة المخاطر أو تحمل التبعة. تلك الفكرة التى تعنى – كما ذكرنا – أن مساواة الجميع أمام التكاليف والأعباء العامة تحتم أن ينال المضرور تعويضا عما يصيبه من ضرر من جراء تلك الأعمال، والتى يجب أن يتحمل نتائجها وتبعاتها كافة أفراد المجتمع، إذ لا يعقل أن من يصاب بضرر نتيجة تصرف لجهة الإدارة، تهدف من ورائه تحقيق الصالح العام أو صالح المجموع، أن يتحمل بمفرده نتائج هذا التصرف، بل يجب أن يشاركه الجميع فى تحمل تلك النتائج.
وهذا هو ما انتهى إليه كبار فقهاء القانون العام فى فرنسا من أمثال "هوريو" Hauriou الذى نادى بضرورة التعويض عن أعمال السيادة فى حالة ما إذا ترتب على هذه الأعمال نزع ملكية خاصة، و"جيز" Jéze الذى ذهب مذهبا آخر، إذ نادى بضرورة التعويض عن كافة أعمال السيادة سواء ترتب عليها نزع ملكية خاصة من عدمه، مع استبعاد كل طعن بالإلغاء فى هذه الأعمال؛ و"دويز" Duez الذى يرى أنه ليس هناك نص فى تشريع، أو هناك مبدأ من المبادئ العامة للقانون يمنع من تعويض الأفراد عن الأضرار التى تحيق بهم بسبب أعمال السيادة، بل أن مثل هذا التعويض – يضيف الفقيه الكبير- إنما هو ما يتفق مع مبادئ العدالة والتى تحتم ضرورة المساواة بين المواطنين أمام التكاليف والأعباء العامة، وإن كان قد اشترط لذلك أن يكون الضرر فى هذه الحالة ذا طابع مادى ومباشر وغير عادى وخاص(5).
وهكذا يمكن التوفيق – من خلال ما انتهى إليه الفقه – بين ضرورة عدم التعرض لأعمال السيادة بالإلغاء وإنما فقط بالتعويض عن تلك الأعمال على أساس فكرة المساواة أمام التكاليف أو الأعباء العامة وهو ما يقال له فكرة المخاطر وتحمل التبعة، وبين الحماية اللازمة لتحصين أعمال السيادة أو أعمال الحكومة ضد تقدير القاضى لها وفحصه لمدى مشروعيتها، إذ يكتفى فى هذه الحالة فقط بمجرد التحقق من توافر ركن الضرر وعلاقة السببية بينه وبين عمل السيادة أو عمل الحكومة.

الهوامش 
(1) ققد ذهب جانب من الفقه – بحق – إلى القول فى هذا الخصوص بأنه إذا كان فى تصور رقابة التعويض بالنسبة لأعمال السلطتين التشريعية والقضائية مساس بإحدى الضمانات الهامة للأفراد، إلا أن هذا المساس من حيث الواقع أقل خطورة على الأفراد من تصور تلك الرقابة بالنسبة لبعض الأعمال الإدارية. فالسلطة التشريعية يفترض فيها أنها ممثلة لأفراد الشعب، فإرادتها التى تظهر فى وضع قواعد عامة تعتبر هى إرادة الأفراد أنفسهم، فضلا عن أن القضاء فى كثير من الدول يراقب القوانين الصادرة عنها، ويبحث فى مدى دستوريتها، ليمتنع عن تطبيقها، إذا كانت مخالفة لأحكام الدستور أو يلغيها. وكذلك الأمر بالنسبة لأعمال السلطة القضائية إذ المفروض أنها تطبق القانون، فضلا عن وجود درجات للتقاضى، مما يحقق للأفراد كثيراً من الضمانات، أما بالنسبة لأعمال السلطة التنفيذية ، فالأمر على خلاف ذلك، فليست إرادتها هى إرادة الشعب ، فضلا عن أنه لا تتوافر لها الضمانات التى تتوافر فى أعمال السلطة القضائية، ولذلك كان من الطبيعى أن تمتد الرقابة القضائية إلى أعمالها سواء بتقرير التعويض عن آثارها الضارة بالأفراد أو بإلغائها إذا كانت مخالفة للقانون.
 الدكتور/ رمزى الشاعر، المرجع السابق (القضاء الإدارى)، ص 32، 33. 
(2) الدكتور/ عبد الفتاح حسن، المرجع السابق، ص 62 ومابعدها. 
(3) حول هذه المبررات انظر:
 نظرية أعمال السيادة للدكتور/ عبد الفتاح ساير داير، دكتوراه ، جامعة القاهرة، عام 1954 ، ص 215 ومابعدها؛ أمال السيادة فى القانون المصرى والمقارن للدكتور/ حافظ هريدى، دكتوراه، جامعة القاهرة، الطبعة الأولى، 1952، ص 233 ومابعدها، المرجع السابق للدكتور/ وحيد رأفت، ص 172 ومابعدها؛ مسئولية الدولة غير التعاقدية، الدكتور/ أنور رسلان، القاهرة، 1982، ص 132 ومابعدها؛ الرقابة على أعمال الإدا ة، الدكتور/ كامل ليلة، بيروت، 1970، ص 675 ومابعدها؛ قضاء التعويض، للدكتور/ رمزى الشاعر، المرجع السابق، ص 414 ومابعدها.
(4) الدكتور/ رمزى الشاعر، القضاء الإدارى، قضاء التعويض، مرجع سبق ذكره، ص 216. 
(5)  الدكتور/ أنور سلامة، وسيط القضاء الإدارى، مرجع سبق ذكره، ص 663.