الخميس، 8 أكتوبر 2015

المبادئ العامة للتحكيم في الفقه الإسلامي وكيفية التحكيم في البنوك الإسلامية د . علي محي الدين القره داغي

د . علي محي الدين القره داغي
القسم الأول
المبادئ العامة للتحكيم

                                                                                    بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
 فإن الإسلام أولى عناية منقطعة النظير بالفصل بين المنازعات على أساس العدل ، وجعل العدل أهم أسس تقوم عليها شريعته الغرّاء ، بل العدل هو أساس الكون وعليه قامت السموات والأرض وبه تتقدم الدول والأمم ، وبعدمه تنـزل المصائب والفتن وتدمر الحضارات وتتهاوى الأمم وتنـتهي الحكومات ، ولذلك جاءت الآيات والأحاديث النبوية تـترى لتأكيد هذا الأمر ، حتى حصر القرآن الكريم وظائف الرسل والكتب في تحقيق العدل بمعناه الشامل فقال تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنـزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط )[1] .
 ولم يكتف الإسلام في حلّ المنازعات بإصلاح الفرد وتقوية عقائده وأخلاقه وتقويم سلوكياته ، ولا بالمواعظ الدينية المؤثرة ، بل فرض لحلها القضاء وأنشأ له المحاكم والدواوين بدءاً من الرسول الكريم ـ صلىالله عليه وسلم ـ حيث كان حاكماً وقاضياً إلى الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ ومن تبعهم بإحسان .
 وبما أن الإسلام باعتباره ديناً وأخلاقاً ـ إضافة إلى كونه نظاماً ودولة ـ لا يجعل حل المنازعات عن طريق القضاء الحل الأول ، بل يجعل حلها عن طريق التراضي ، والصلح هو الحل الأمثل ، فقال تعالى : ( والصلح خير )[2] ، أي خير مطلق ، وأفضل من جميع الطرق ، وكان الرسول ـ صلىالله عليه وسلم ـ يشير إلى المتخاصمين أولاً بالصلح فإذا لم يرتضيا حكم عليهما بالحكم البيّن[3]. وقد ضمن الخليفة الراشد عمر ـ رضي الله عنه ـ أهمية الصلح في رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري ، وقد روى مسعر بن أزهر عن محارب قال : قال عمر : ( ردّوا الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن )[4] .
وإضافة إلى هذه الوسائل الأخلاقية ، والقضائية ، والاتفاقية فإن الإسلام شرع أمراً آخر يسهل عملية التقاضي ويختصرها وهي وسيلة التحكيم من خلال اللجوء إلى المحكم والحكم ، وهي وسيلة أولى لها الفقه الإسلامي عناية قصوى ، فنظمها تنظيماً جيداً ووضع لها ضوابط وقواعد ، كما كان لها دورها في حل النـزاعات بين المسلمين .
 وقد غدا للتحكيم اليوم أهمية قصوى وبالأخص في نطاق التجارة الدولية حيث أصبح أهم وسيلة تلجأ إليها الشركات والمؤسسات المالية لحسم خلافاتها التي تتعلق بتفسير العقد ، أو تنفيذه ، وذلك بسبب التكاليف الباهظة للمحاكم وخاصة في الدول الغربية ، وبطء قراراتها وإجراءاتها ، إضافة إلى جهل أحد الطرفين بتفاصيل النظام القضائي لتلك الدولة التي تتـتْبعها الشركة ، أو عدم الثقة به ، ناهيك عن أن التحكيم يستند أساساً إلى إدارة الطرفين اللذين يختاران الأشخاص الذين يتولون مهمة التحكيم ممن يتصفون بالحياد والاستقلال ومعرفة نوعية التعامل التجاري الذي حدث النـزاع بسببه والقواعد الواجبة التطبيق ، مما يؤدي إلى ثقة الطرفين بأن نـزاعهما ستتم تسويته بشكل عادي وقانوني وبشكل طوعي وليس قسراً ، وهذا يجعل العلاقة بينهما مستمرة دون ضغينة أو قطيعة .
 ولأجل هذه الأهمية وجدت مراكز للتحكيم الدولي في مختلف المجالات وبالأخص في مجال التحكيم التجاري ، وأصبحت لها مكانة مرموقة دولياً ، مما حدا بالمنظمات الدولية بوضع قواعد خاصة بالإجراءات التي تتبع في سير عملية التحكيم[5].
 ولهذه الأهمية الدولية للتحكيم أنشأت الأمم المتحدة لجنة خاصة تسمى لجنة القانون التجاري الدولي، وقامت بوضع قواعد خاصة بالتحكيم تسمى بقواعد لجنة القانون التجاري الدولي،كما قامت بوضع قانون سمي بالقانون النموذجي للتحكيم حتى تهتدي به الدول الأعضاء لتطوير قوانيها الخاصة بالتحكيم.
 وقد تطورت فكرة التحكيم في الغرب مع النهضة الصناعية والتجارية فأنشأت في لندن عام 1892م غرفة لندت للتحكيم ، ثم تحولت إلى محكمة لندن للتحكيم عام 1903م ، ثم تغير اسمها إلى محكمة التحكيم الدولي في لندن (L C I A  ) منذ عام 1981م ، ولا تخلو الدول الغربية الأخرى عن مثلها ، ففي باريس توجد محكمة التحكيم للغرفة التجارية الدولية ، وفي نيويورك جمعية التحكيم الأمريكية    ( A A A ) منذ عام 1984م ، وفي فينّا المركز التحكيمي للغرفة التجارية الاقتصادية ، إضافة إلى مراكز كثيرة في بلدان العالم تختص بالتحكيم الدولي التجاري وغيره .
 وقد اهتمت البلاد الإسلامية والعربية بالتحكيم فأفردت له باباً خاصاً في قوانين المرافعات المدنية والتجارية ، أو من أصول المحاكمات المدنية ، بل خصته بعض الدول كالمملكة العربية السعودية بنظام مستقل من خلال المرسوم الملكي رقم (26)في 12/7/1403هـ ، كما أن معظمها انضمت إلى اتفاقية نيويورك عام 1958م وصادقت عليها .
 ومن جانب آخر أنشئت مراكز دائمة دولية وإقليمية للتحكيم منها المركز الإقليمي للتحكيم بالقاهرة ، والمركز الإقليمي للتحكيم في كوالالمبور بماليزيا [6]، ومنها مركز التحكيم الإسلامي بجامعة الأزهر الذي بدأ يزاول نشاطه منذ عام 1995م ، والذي تنصّ المادة (23) من لائحته على أن ( تطبق هيئة التحكيم على النـزاعات المعروضة أمامها مبادئ الشريعة الإسلامية وتختار ما تراه مناسباً من الآراء وفقاً لاجتهادها إلاّ إذا ألزمها الطرفان بتطبيق مذهب فقهي معين دون غيره )[7].
 وقد أولت الدول والمؤسسات المالية عناية كبيرة بهذا المجال حيث عقدت اتفاقيات جماعية وثنائية ، وتعقد سنوياً عدة مؤتمرات دولية وندوات علمية لأجل توضيح معالمها ومتابعة آخر القوانين واللوائح الدولية والإقليمية والتطورات القضائية والفقهية .
 وبحثنا هذا لا يخوض في غمار التحكيم ذلك البحر المتلاطم الأمواج ، وإنما يتجه نحو التركيز على المبادئ العامة للتحكيم في الفقه الإسلامي وكيفية التحكيم في البنوك الإسلامي والمؤسسات المالية الإسلامية مستعيناً بالله تعالى أولاً ، ومستفيداً من كلّ ما أمكن الاستفادة منه من الكتب الفقهية والقانونية والاقتصادية ، ومن التطبيقات في هذا المضمار .
 وأعتقد أن علينا جميعاً ـ باحثين وأصحاب مال ومؤسسات إسلامية ـ واجباً كبيراً لتوضيح معالم شريعتنا الغراء في مجال التحكيم ، والقيام بدراسات مستفيضة وندوات علمية ، بل ومؤتمرات دولية للوصول إلى إقناع المجتمع الدولي بعظمة الشريعة في هذا المجال أيضاً ، وأن فقهنا الإسلامي الخاص بالتحكيم مرن متطور يستجيب لكل قواعد العدالة ، حتى لا يتكرر مثلما حدث في بعض التحكيمات الدولية من استبعاد قانون إحدى دول الخليج بزعم أنه قانون متخلف لا يمكن استخدامه لتفسير ، أو حكم العلاقات التجارية الحديثة ، أو ما قيل في سبب رفض نظام آخر مأخوذ من الشريعة من ادعاء جاهل بأنه ( لا يحتوي أي حل للمشكلة المطروحة )[8].
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لخدمة شريعته الغراء ، إنه وليّ التوفيق .
                                                                                                                                          كتبه الفقير إلى ربه
علي محي الدين القره داغي
                                                                                          غرة رجب 1422هـ
التحكيم عند اللغويين :
التحكيم : لغة مصدر حكّم يحكّم ـ بتشديد الكاف ـ أي جعله حكماً . والحُكْم ـ بضم الحاء وسكون الكاف ـ هو القضاء ، وجاء بمعنى العلم والفقه والقضاء بالعدل ، ومنه قوله تعالى: ( وآتيناه الحكم صبياً )[9] ، ومنه الحكمة بمعنى وضع الشيء في محله .
 والحَكَم ـ بفتح الحاء والكاف ـ من أسماء الله تعالى ، قال تعالى : ( أفغير الله أبتغي حَكَماً )[10] ، ويطلق على من يختار للفصل بين المتنازعين وبهذا ورد أيضاً في القرآن الكريم ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها )[11] . والمحكم هو الحكم ، واحد المحكمة هم الخوارج الذين قالوا : لا حكم إلاّ لله [12].
 وقد تكرر لفظ ( حكم ) ومشتقاته في القرآن الكريم أكثر من مائتي مرة منها القضاء بين الناس وفصل منازعاتهم العامة والخاصة بالقسط كقوله تعالى : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )[13] ، وبمعنى البيان والحكم لخلافاتهم حول الإله والكون والمبدأ والمصير ، والقضايا الإنسانية كقوله تعالى : ( إنا أنـزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله )[14] .
 وورد بلفظ (يحكموك) في قوله تعالى:(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما)[15]،حيث نزلت هذه الآية في الزبير ورجل من الأنصار قد شهد بدراً ، تخاصما إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم في شراج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول الله ـ صلىالله عليه وسلم ـ للزبير:(اسق ، ثم أرسل إلى جارك) فغضب الأنصاري فقال : يا رسول الله أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :(اسق ، ثم احبس حتى يبلغ الجدر )[16]،حيث يدل على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلح بينهما بشيء فيه سعة للطرفين ، فلما لم يرض بالصلح حكم عليه بالحكم البيّن الذي فيه الحق الكامل للزبير[17].وبلفظ(يحكمونك) في قوله تعالى : ( وكيف يحكمونك وعنهم التوراة فيها حكم الله )[18].     
 وبلفظ ( حكماً ) ثلاث مرات وهي قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما )[19] ، والمراد بالحكم هنا من يرتضيه الزوج أو الزوجة للفصل بينهما بعدل ، أو من يختاره ولي الأمر أو من ينوب عنه من القضاة من أهل الزوجين للفصل في شقاق بينهما [20]. ومنها قوله تعالى : ( أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً)[21] ، أي حكماً يرجع إليه في الحكم والقضاء ولا يختلف الأمر عن السنة حيث وردت هذه الكلمة ومشتقاتها كثيراً بهذه المعاني المذكورة [22].
التحكيم في اصطلاح الفقهاء :
 عرَّفته مجلة الأحكام العدلية في مادتها 1790 فقالت : ( التحكيم عبارة عن اتخاذ الخصمين حاكماً برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما ) ، ويقال لمن ارتضى به الطرفان الحَكَم ـ بفتح الحاء والكاف ـ ، والمُحَكّم ـ بضم الميم وفتح الحاء ، والكاف المشددة ـ وبما أن حكم الحكمين ملزم ( لأنه إذا لم يكن ملزماً لم تتحقق الفائدة المنشودة ) فلا بدّ من إضافة الإلزام إلى التعريف ، فيكون التعريف الجامع المانع في نظري هو : أن التحكيم اتفاق طرفي الخصومة على تولية من يفصل بينهما بحكم ملزم )[23] .
 والاتفاق يتم إما عن طريق العقد الموقع بينهما الذي ينصّ على شرط التحكيم ، أو يتم بأية وسيلة أخرى ، وخرج بلفظ الاتفاق القضاء حيث انه منصوب بأمر الدولة . ويشمل ( طرفا الخصومة ) الشخصين الطبيعيين ، أو الاعتباريين ، والمراد بالخصومة ما جرى فيه النـزاع بين الطرفين سواء كان المتنازع فيه مالاً أو غيره ، ولا بدّ من الخصومة والنـزاع ، لأنه بدونه لا يسمى تحكيماً.    وقوله ( من يفصل بينهما ) شامل لفرد واحد أو لأكثر ، كما أنه شامل لهيئة ، أو مركز ، أو أية شخصية اعتبارية مثل مراكز التحكيم ، وخرج ( بحكم ملزم ) الفتيا التي يصدرها المفتي عندما يلجأ إليه المتخاصمان ) .
والتحكيم في اصطلاح القانونيين :
هو الاتفاق على إحالة ما ينشأ بين الأفراد من النـزاع بخصوص تنفيذ عقد معين ، أو على إحالة أي نـزاع نشأ بينهم بالفعل على واحد ، أو أكثر من الأفراد يسمون المحكمين ليفصلوا في النـزاع المذكور بدلاً من أن يفصل فيه القضاء المختص .
ويسمي أكثرهم الاتفاق مقدماً قبل قيام النـزاع على عرض المنازعات التي قد تنشأ في المستقبل خاصة بتنفيذ عقد معين على محكمين : شرط التحكيم ، وسماه نظام التحكيم السعودي والقانون المصري الجديد : وثيقة التحكيم ، في حين سماه القانون الكويتي ، ومجمع اللغة المصري : اتفاق التحكيم ، وسماه القانون اللبناني ( الفقرة الحكمية ) .
 وأما الاتفاق على التحكيم في نـزاع معين بعد نشوئه فيسمونه مشارطة التحكيم ، وسماه القانون اللبناني ( العقد التحكيمي )[24].
 وقد عرفت المادة 37 من اتفاقية لاهاي الأولى عام 1907م التحكيم الدولي بأنه تسوية المنازعات فيما بين الدول بواسطة القضاة الذين تختارهم وعلى أساس احترام القانون الدولي .
 وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات القانونية والدولية لوجدناها متقاربة لا تختلف في جوهرها عن تعريف الفقه الإسلامي ، ولا يضيره أنه لم يقسم التحكيم إلى ما قبل النـزاع وبعده وذلك لأن تعريفه له يشملهما ، وأن صدره لا يضيق بالتقسيمات الفنية بل يرحب بها .

المصطلحات المتشابهة بالتحكيم :
 هناك عدة مصطلحات ( مثل القضاء ، والصلح والإفتاء ، والتوفيق ) لها شبه بالتحكيم من حيث البحث عن بيان حكم الله تعالى للمنازعات ومن حيث بعض الأحكام الأخرى ، وهي القضاء ، والصلح والإفتاء .
فالقضاء له شبه بالتحكيم من الأوجه التالية :
1.كلاهما يبحثان عن بيان حكم الله تعالى للقضية المتنازع فيها .
2.كلاهما يفصلان في الخصومات .
3.كلاهما يلزم بأحكامهما المتنازعان ، فحكم المحكم كحكم القاضي في الإلزام .
4.كلاهما لا يتصدى لمنازعات الناس دون رفع الأمر إليهما .
ولكن مع ذلك توجد فروق جوهرية من أهمهما :
1.أن ولاية القاضي أو الحاكم مستمدة من السلطة الشرعية ، في حين أن ولاية المحكم مستمدة من طرفي النـزاع ، وقد تكون مستمدة من القاضي في بعض الحالات .
 ولا شك أن استناد التحكيم إلى رضاء من يلجأون إليه يضع في أيديهم رسم نطاق محدد لا يحق للمحكم أن يتجاوزه ، في حين أن القاضي ليس للمتنازعين سلطان عليه في رسم نطاق التقاضي إلاّ ما يخص بنود الاتفاقية .كما أن المتنازعين يملكان عزل المحكم في حين أن المتخاصمين ليس لهم أي علاقة بفصل القاضي ، بل القضاء في الإسلام وفي النظم المعاصرة مستقل عن السلطة التنفيذية.
2.أن ولاية القاضي أو الحاكم ولاية عامة حيث لا يخرج عن سلطة القضاء أحد ، ولا يستثنى من اختصاصه موضوع كما أنها هي الأصل والمبدأ العام في فصل المنازعات ، أما ولاية المحكم فهي ولاية فرعية خاصة بموضوع التحكيم المتفق عليه بين الطرفين[25].
3.أن عقد التحكيم عقد رضائي ، في حين أن القضاء ليس كذلك بالنسبة للمتخاصمين ، بل هو سلطة ونظام .
4.أن حكم المحكّم إذا لم يطبقه المتخاصمان ، وتنازعا فيه يلجأن إلى القضاء للإلزام إذن فمصيره إلى القضاء في هذه الحالة ، في حين أن حكم القاضي ملزم وواجب التنفيذ حيث تنفذه الأجهزة التنفيذية مباشرة .
5.إن حكم المحكم إذا رفع إلى القاضي يجوز له أن ينقضه إذا وجد فيه خللاً في مراحل التحكيم وقواعده ، في حين أن حكم القضاء في نفس مرتبته لا ينقض .
6.إن حكم المحكم إذا رفع إلى القاضي وكان محل التحكيم أمراً اجتهادياً يجوز له أن ينقضه عند بعض الفقهاء ، أما إذا كان حكماً قضائياً فإن حكم القاضي لا ينقض بحكم قاض آخر ، فالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله .
7.إن حكم المحكم بثبوت الوقف لا يجعله لازماً عند الحنفية ، في حين أن حكم القاضي يجعله لازماً ، لأنه يرفع الخلاف .
8.إن حكم المحكم على وصي الصغير بما  هو ضرر على الصغير لا يصح ، لأن تحكيم الوصي بمنـزلة الصلح وهو لا يلزم الصبي فيما هو ضرر عليه ، أما حكم القاضي بذلك فصحيح إذا توافرت شروطه [26].
9.إن حكم المحكم برد الشهادة للتهمة لا يلزم غيره كما لا يلزم القاضي إذا عرض عليه الأمر وشهدت البينة بعدالة الشاهد ، أما إذا ردّ الشهادة القاضي للتهمة فإنه لا يحق لقاضٍ آخر أن يقبلها [27].
 وأما الصلح وإن كان يتفق مع التحكيم في فصل المنازعات لكنه يختلف معه في أن الصلح يتم بين الطرفين المتنازعين عن طريق تنازلهما ، أو تنازل أحدهما ودياً أي بالتراضي دون تحاكمهما إلى طرف ثالث ، فالقرار يصدر منهما معاً ، أو من أحدهما حتى لو تدخل مصلح فهو لتقريب وجهات النظر دون إصدار القرار ، أما التحكيم فهو يصدر من الطرف الثالث ( غير طرفي النـزاع ) فالصلح عقد يرفع النـزاع ويقطع الخصومة بتراضي الطرفين ، أما التحكيم فإنه يقطع الخصومة عن طريق إصدار حكم ملزم من المحكم .
 وأما الإفتاء فهو يشترك مع التحكيم في أن كلاً منهما يبحث عن بيان حكم الله في النازلة أو المنازعة وأنه لا يتطلب ولاية الإمام ، بل برضاء المستفتي ، أو المتنازعين ، لكنه يختلف عنه في أن حكم المفتي ليس ملزماً ، في حين أن حكم المحكم ملزم ، كما أن الإفتاء أعمّ حيث يمكن أن يكون في المنازعات أو في العبادات ، أو غيرهما ، أما التحكيم فهو خاص بالمنازعات التي التجأ أصحابها إلى المحكم [28]. وقد لخص ابن فرحون هذا الفرق بعبارة موجزة فقال في الفرق بينهما : ( المفتي مخبر ، والحاكم ملزم )[29] .
 وهناك مصطلح آخر في القانون يسمى التوفيق ( Consiliation  ) ، حيث يقصد به التقريب بين وجهات نظر الطرفين ا فالموفق هو الوسيط الذي يحاول أن يقرب بين وجهات نظرهما للوصول إلى اتفاق لتسوية النـزاع ، لكن قراره ليس ملزماً كما هو الحال في التحكيم ، وكما لا يلتزم الموفق بتطبيق قانون معين [30].
أدلة مشروعية التحكيم :
يدل على مشروعية التحكيم الكتاب ، والسنة ، والإجماع :
 أما الكتاب فقوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما )[31] ، فالآية صريحة في مشروعية التحكيم ، بل استحبابه للإصلاح بين الزوجين في حالة الخوف من شقاق بينهما ، قال القاضي أبوبكر ابن العربي : ( " وهي من الآيات الأصول في الشريعة " ثم ذكر أقوال العلماء في المخاطب به فقال سعيد بن جبير :  المخاطب : السلطان ، وقال مالك : قد يكون السلطان وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين ، ثم قال القاضي : " فأما من قال : إن المخاطب الزوجان فلا يفهم كتاب الله ، وأما من قال : إنه السلطان فهو الحق ، وأما قول مالك : إنه قد يكون الوليين فصحيح ، ويفيده لفظ الجمع فيفعله السلطان مرة ويفعله الوصي أخرى،وإذا أنفذ الوصيان حكمين فهما نائبان عنهما ، فما أنفذاه نفذ ، كما لو أنفذه الوصيان )[32].       
 وعلى هذا القول بأنه السلطان فقط جماهير الفقهاء [33]، قال القاضي : ( وقد روى محمد بن سيرين وأيوب عن عبيدة عن علي، قال : جاء إليه رجل وامرأة ومعهما فَئام ( أي جماعة ) من الناس ، فأمرهم فبعثوا حكماً من أهله ، وحكماً من أهلها ، ثم قال للحكمين : أتدريان ما عليكما ؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ، فقالت المرأة رضيت بما في كتاب الله لي وعليَّ ، وقال الزوج أما الفرقة فلا ، فقال : لا تنقلب حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت )[34]. ثم ذكر القاضي أن قوله تعالى : ( حكماً من أهله وحكماً من أهلها ) ، نصٌّ من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان …. )[35].
كما أرجع القرآن الكريم الأمر في موضوع جزاء الصيد إلى حكمين فقال تعالى : ( .. ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل )[36].
   وأما السنة فقد صحّ أن رسول الله ـ صلىالله عليه وسلم ـ قد رضي بتحكيم سـعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ في أمر اليهود من بني قريظة حينما رضوا بالنـزول على حكمه )[37].
 وأما الإجماع فقد ثبت منذ عهد الصحابة الكرام من خلال عدة قضايا تـنازع فيها بعضهم فالتجأوا إلى التحكيم فقبلوه ، منها أنه كان بين عمر وأبيّ بن كعب منازعة في نخل فحكّما بينهما زيد بن ثابت ـ رضي الله عنهم جميعا ًـ[38] ، واختلف عمر مع رجل فتحاكما إلى شريح [39].          ومنها أن عثمان وطلحة تحاكما إلى جبير بن مطعم [40] ـ رضي الله عنهم ـ علماً بأن هؤلاء المحكمين لم يكونوا قضاة في ذلك اليوم. ومنها ما ثبت أن المهاجرين والأنصار اختلفوا في وجوب الغسل من الختانين دون نـزول الماء فحكموا علياً فقضى بالغسل[41]، ومنها تحكيم أهل الشورى عبدالرحمن بن عوف[42]، وتحكيم علي أبا موسى الأشعري ، وتحكيم ومعاوية عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ[43].والآثار المروية تدل على تكرار ذلك أكثر من مرة أمام جمع كبير من كبار الصحابة ولم يسمع بمخالفة أحدهم لذلك ، ولا إنكارهم ذلك فكان ذلك إجماعاً [44].
 وعلى جواز التحكيم مطلقاً ( مع وجود القاضي أو عدمه ) جماهير الفقهاء من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة ، والزيدية ، وبعض الإمامية ، وهو مروي عن الشعبي ، وابن سيرين ، وعبدالله بن عتبه [45].
 وخالفهم في ذلك ابن حزم الظاهري ، والشافعية في قول حيث قيدوا جواز التحكيم بعدم وجود قاض في البلد ، في حين منع مطلقاً الشافعية في قول آخر لهم والإمامية [46]. وأمام أدلة الجمهور التي ذكرنا بعضها يصبح هذان القولان ضعيفين لا ينهضان للوقوف أمامها ، ولا يسع البحث للخوض في الردّ عليها [47].
سعة دائرة التحكيم :
 لقد رأينا في البحث السابق أن التحكيم في القرآن الكريم شمل الجوانب الأسرية ، وجزاء الصيد ، وأن السنة النبوية المشرفة قد طبقته في مجال الأسرة والمال ، والحرب ، وأما تطبيقات الصحابة الكرام فقد شملت مختلف القضايا السياسية والمالية ، والقضايا الكبرى كاختيار الإمام كما في قصة تحكيم أهل الشورى لعبدالرحمن بن عوف ، وعزله كما في تحكيم سيدنا علي ومعاوية الحكمين أبا موسى ، وعمرو بن العاص ـ رضي الله عنهم ـ ، والقضايا الصغرى الفرعية في مجالات النـزاع على الأموال والحقوق .
 ومن هنا فدائرة التحكيم في الفقه الإسلامي واسعة جداً بحيث يمكن اللجوء إليها في المسائل المالية والاقتصادية والاجتماعية والدستورية والسياسة الشرعية ونحوها إلاّ في الحدود واللعان ونحوهما مما هو من حقوق الله تعالى ( الحق العام ) كما سيأتي ، ومن هنا فالتحكيم في الفقه الإسلامي يسع كل الأنواع والتسميات المعاصرة مثل التحكيم التجاري العادي ، الدولي ، والتحكيم في المنازعات البحرية ، والتحكيم في القانون الدولي وفي مجال تطبيق قانون العمل بالنسبة للعمال وربّ العمل .
أركان التحكـيم :
 يتفق القانون مع الفقه الإسلامي في أن اتفاق التحكيم عقد رضائي ، وليس شكلياً يتوقف على شكل معين ، لكنه يختلف معه في إثبات الاتفاق على التحكيم يتوقف على كونه مكتوباً نظراً لأهميته ،وخطورته [48]، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع شروطه وبنوده في حين أن الفقه الإسلامي لا يشترط الكتابة فيه ، بل يجوز إثباته بها ، وبالاتفاق الشفهي أيضاً ، وبالشهادة ، لكن الفقه الإسلامي يندب إلى إثبات الحقوق بكل الوسائل المتاحة ، ومن هنا فلو اشترطت الدولة ، أو الطرفان أن لا يتم التحكيم إلاّ مكتوباً فلا أخال أن في ذلك مخالفة للشريعة الغراء التي أمرت بالكتابة في عصر كانت الكتابة فيه نادرة ، فقال تعالى : ( فاكتبوه …. وليكتب بينكم كاتب بالعدل )[49].
 وأركان العقد معروفة وهي العاقدان ، والصيغة المعبرة عن العقد ، ومحل التحكيم هو الأمر المتـنازع عليه ، ولا أدخل في تفاصيل الشروط العامة لأركان العقد [50]، ولكنني اذكر أهم الشروط الخاصة بالتحكيم وهي :
1.أن يكون المحكم أهلاً لولاية القضاء ، لأن المحكم كالقاضي[51].
2.أن لا يكون محل التحكم في الحدود واللعان عند جماهير الفقهاء ( الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية على تفصيل داخل المذاهب ، ولا القصاص والديات عند جماعة من الفقهاء منهم الحنفية ، وذلك لخطورة هذه الأمور وأنها منوطة بالسلطة القضائية [52]وقد وضع ابن عرفة معياراً لذلك وهو أنه يجوز التحكيم فيما يصح لأحدهما ترك حقه فيه [53] وهو معيار صحيح دقيق لأن الحقوق العامة كما في الحدود واللعان لا يمتلكها الإنسان نفسه ، في حين أن ظاهر كلام أحمد أن التحكيم جائز في جميع القضايا ، قال القاضي أبو يعلى : ( وينفذ حكم من حكمّاه في جميع الأحكام إلاّ أربعة أشياء : النكاح ، واللعان ، والقذف والقصاص ، لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ، ونائبه يقوم مقامه ، وقال أبو الخطاب : ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها ، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين )[54].
3. تراضي طرفي الخصومة على التحكيم ، أما إذا عين القاضي المحكم فلا يشترط رضاهما ، لأنه نائب عن القاضي والمقصود أن يتم اتفاقهما على قبول مهمة التحكيم إما في العقد نفسه قبل نشوب النـزاع ، أو بعده [55].
 وهذا التراضي يمثل ركن التحكيم وجوهره ، لأنه عقد لا ينعقد إلاّ بالإيجاب والقبول ولذلك يشترط فيهما الشروط التي ذكرها الفقهاء من كونهما متصلين واقعين على محل واحد ، ثم إن هذا التواصي قد يعبر عنه العاقدان المحكمان ( بكسر الكاف المشددة ) صراحة كم لو قالا : اتفقنا على التحكيم ، أو حكمناك فيما بيننا ، وقد يظهر دلالة كما لو اختصما إلى رجل ليحكم بينهما [56].
 وللمحكمين الحق في تقييد رضاهما أو إطلاقهما ووضع الشروط ما دام ذلك لا يخالف نصاً من الكتاب والسنة ، كما أن لهما تعليقه ، أو إضافته إلى المستقبل عند بعض الفقهاء منهم أبو يوسف[57]. 
طبيعة عقد التحكيم :
 قد يتم عقد التحكيم قبل النـزاع من خلال شرط في العقد يضعه الطرفان وينصّ فيه عادة : أنه إذا حدث نـزاع في تفسير العقد ، أو في تنفيذه ، أو فيما يتعلق به من آثاره فإنه يصار إلى التحكيم .
 وهذا ـ كما سبق ـ يسمى بشرط التحكيم في معظم القوانين الغربية ، أو وثيقة التحكيم في نظام التحكيم السعودي ، والقانون المصري الجديد ، أو اتفاق التحكيم في القانون الكويتي ، وهذا الاسم هو الذي اختاره مجمع اللغة المصري .
 وقد يتم التحكيم بعد حدوث النـزاع ، وحينئذٍ يبرم الطرفان المتنازعان اتفاقاً باللجوء إلى التحكيم ، ويسمى مشارطة التحكيم ـ كما سبق ـ ، ففي الحالتين تمّ عقد التحكيم بتراضي الطرفين ، وهو من العقود الرضائية في الشريعة والقانون ـ كما سبق ـ وهو عقد اختياري محله المعقود عليه المنازعة والخصومة وهدفه الفصل فيها للوصول إلى حلّ عادل .
 هذا هو الأصل العام ، ولكنه يقول أهل القانون أنه قد استحدث في المجتمعات الاشتراكية نوع من التحكيم يسمى التحكيم الإجباري وهو الذي يقرر المشرع أنه لا يجوز إطلاقاً الالتجاء إلى القضاء ، أو ينصّ على وجوب طرحه عند النـزاع على هيئة التحكيم ، وهذا يعتبر استثناءً من الأصل [58].
 ولم أرَ من تطرق إلى هذه المسألة في الفقه الإسلامي من المعاصرين ، في حين أن التحكيم الإجباري نوع أساسي في الفقه الإسلامي وليس استثناءً ، فقد ذكر جماعة من الفقهاء منهم الشافعية على المعتمد ، وبعض المالكية ، وهو مروي عن علي وابن العباس ومعاوية والشعبي[59] إلى أن التحكيم واجب عند حدوث الشقاق بين الزوجين حيث قال الله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما )[60] فالآية صريحة في دلالتها على الوجوب وقد تبنى هذا الرأي القاضي ابن العربي فقال : ( إذا علم الإمام من حال الزوجين الشقاق لزمه أن يبعث إليهما حكمين )[61] وقد ذكر القاضي أن المراد بالمخاطب هو ولي الأمر ونائبه المتمثل في القاضي[62] ، حيث لا يجوز له البت في الأمر إلاّ بعد هذا الإجراء ، وهو إرسال حكم من أهله ، وحكم من أهلها ، أو أن المراد أولياء الزوجين إذا كانا محجورين ، وأن الحكمين هما بمثابة القاضيين وليسا وكيلين ، قال القاضي ابن العربي : ( هذا نصّ من الله تعالى من أنهما قاضيان لا وكيلان ، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى ، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى ، فإذا بين الله سبحانه كلّ واحد منهما فلا ينبغي لشاذ ـ فكيف لعالم ـ أن يركب معنى أحدهما على الآخر فذلك تلبيس وافساد للأحكام ، وإنما يسيران بإذن الله تعالى ويخلصان النية لوجه الله وينظران فيما عند الزوجين بالتثبيت ، فإن رأيا للجمع وجهاً جمعا ، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما،…) وإن وجداهما قد اختلفا ولم يمكن الجمع بينهما ، أو أن الجمع لا ينفع لوجود تجارب أخرى فرّقا بينهما وهذا مروي عن عليّ وابن عباس ومعاوية والشعبي ، وهو مذهب مالك دافع عنه القاضي ابن العربي دفاعاً مستميتاً ، وقد ذكر عدة أدلة على ذلك[63].
 وقال إذا فرّقا فتكون الفرقة طلقة بائنة ، وأن هذه الفرقة لوقوع الخلل في مقصود النكاح من الألفة وحسن العشرة ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان )[64] وقد ردّ على من قال : بأن الظلم من أحد الزوجين لا ينافي النكاح ، بأن هذا نظر قاصر يتصور في عقود الأموال ، فأما عقود الأبدان فلا تتمّ إلاّ بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر ، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه ، وكانت المصلحة في الفرقة ، ثم أوضح بأن حكم الحكمين كما أنه ملزم في الجمع ، أو الفرقة ، ملزم كذلك فيما يخص بقية الحقوق المالية من المنازلة أو أخذ شيء من أحدهما [65] ثم بيّن بأن القاضي لا يقضي بعلمه ، ولكن الشرع خصّ هاتين الواقعتين ( الشقاق وجزاء الصيد ) بحكمين لينفذ حكمهما بعلمهما وترتفع بالتعدد التهمة عنهما[66].
ومع وجود هذا التحكيم الإجباري في حالة الشقاق فإنه لا مانع شرعاً من التحكيم الاختياري من الزوجين أو من أهلهما ، أو من أوليائهما سواء اختارا حكمين ، أو حكماً واحداً ، أو أكثر من اثنين لأن التحكيم جائز وينفذ حكم المحكم إذا توافرت شروط التحكيم[67] .
 الواقعة الثانية للتحكيم الإجباري في جزاء الصيد حيث قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم … )[68]. فالآية صريحة في إرجاع الحكم بالجزاء إلى حكمين عدلين فقط وليس إلى غيرهما ، فهذا تحكيم إجباري طبقه الخلفاء الراشدون ، والصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان [69] كما أن الراجح أن هذا التحكيم مستمر في كل حادثة قتل لصيد الحرم دون الاكتفاء بما صدر عن العصور السابقة من الأحكام ، وهذا هو قول طاووس ، وابن أبي ليلى ، والحسن بن حيّ ، والثوري ، وأبي حنيفة ، ومالك والزيدية في أحد قوليهم[70] .
 وقد طبق الخلفاء الراشدون هذا التحكيم والتـزموا به ، فعن ميمون بن مهران أن أعرابياً أتى أبابكر ـ رضي الله عنه ـ فقال : قتلت صيداً وأنا محرم فما ترى عليَّ من الجزاء ؟ فقال أبوبكر لأبي بن كعب وهو جالس عنده : ما ترى فيها ؟ قال : فقال الاعرابي : أتيتك وأنت خليفة رسول أسألك ، فإذا أنت تسأل غيرك ، فقال أبوبكر : وما تنكر ؟ يقول الله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل ) فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به )[71].
 وحدث مثل هذه القصة مع عمر ـ رضي الله عنه ـ حيث قال قبيصة بن جابر : حججنا زمن عمر فقتل أحد أصحابه ظبياً وهو محرم ، فأتينا عمر فسألناه عن ذلك ، وإذا على جنبه رجل ، يعني عبدالرحمن بن عوف ، فالتفت إليه فكلمه ، ثم أقبل على صاحبنا .. فأمره بذبح شاة .. قال قبيصة : فقلت لصاحبي : أيها الرجل أعظم شعائر الله ، والله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه ، اعمد إلى ناقتك فانحرها … فبلغ عمر مقالتي ، فلم يفجأنا إلاّ ومعه الدرة.. [72]. والمقصود أن هذا التحكيم إجباري بأن يحتكم قاتل الصيد إلى حكمين عدلين ، وليس له غير هذا بنصّ القرآن الكريم.

عقد التحكيم بين الاستقلال والتبعية :
يثور التساؤل حول عقد التحكيم هل هو عقد مستقل أم هو تابع لأحد العقود المسماة ؟
 ذهب بعض الفقهاء إلى أن التحكيم ليس عقداً مستقلاً ، وأن الحكمين وكيلان عن الزوج والزوجة ، وهذا هو رأي الحنفية ، والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد في أشهر أو أصح روايتيه ، وبه قال الطبري والزيدية ، وهو مروي عن الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ وعن عمرو بن العاص ، وعطاء ، والحسن ، وأبي ثور ، والسدي[73] ، حيث استدلوا بقوله تعالى : ( فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) ووجه الاستدلال أن تقييد الحكمين من أهله ، وأهلها يدل على أنهما وكيلان وليسا قاضيين أو حكمين ، قال الجصاص : ( ويدل قوله تعالى هذا على أن الذي من أهله وكيل له ، والذي من أهلها وكيل لها ) ثم ذكر أن رأي الحنفية أن الحكمين وكيلان لهما ،وكذا روي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وعلى ضوء ذلك ليس لهما الحق في الفرقة أو الخلع إلاّ برضا الموكل )[74] .   
 واستدلوا كذلك بقوله تعالى : ( إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ) وجه الاستدلال أن القرآن الكريم لم يضف إليهما إلاّ الإصلاح وهذا يقتضي أنهما لا يستطيعان أن يعملا شيئاً من الفرقة ونحوها إلاّ برضا الموكل الذي له الشأن[75] .
 وذهب أهل المدينة ومالك ، والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد في الرواية الثانية التي رجحها ابن تيمية وابن القيم ، والظاهرية إلاّ ابن المعلّس إلى أن التحكيم ليس توكيلاً ، بل هو حكم وقضاء يتم باتفاق الطرفين[76] وبه أخذت معظم قوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية [77].
 واستدلوا بظاهر قوله تعالى : ( فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ) فقالوا : فهو نصٌّ في أنهما حكمان وليسا وكيلين ، ولو كان الله تعالى يريد أن يكونا وكيلين ، فالتعبير يكون حينئذٍ بذلك وليس بالحكمين ، قال القاضي ابن العربي : ( هذا نصٌّ من الله سبحانه في أنهما قاضيان ، لا وكيلان ، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى ، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى ، فإذا بيّن الله سبحانه كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ ـ فكيف لعالم ـ أن يركب معنى أحدهما على الآخر ، فذلك تلبيس وافساد للأحكام ….)[78] .
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( والحكمان كما سماهما الله تعالى هما حكمان عند أهل المدينة وأحد القولين للشافعي وأحمد ، وعند أبي حنيفة والقول الآخر لهما : هما وكيلان ، والأول أصح ، لأن الوكيل ليس بحكم ، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة ، ولا يشترط أن يكون من الأهل ، ولا يختص بحال الشقاق ، ولا يحتاج إلى نصّ خاص ، ولكن إذا وقع الشقاق فلا بدّ من ولي لهما يتولى أمرهما ، لتعذر اختصاص أحدهما بالحكم على الآخر ، فأمر الله تعالى أن يجعل أمرهما إلى اثنين من أهلهما فيفعلان ما هو الأصلح من جمع بينهما وتفريق ، بعوض أو بغيره …. )[79] .
قال ابن القيّم : (( والعجب كل العجب ممن يقول : هما وكيلان لا حاكمان ، والله تعالى قد نصبهما حَكَمين ، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين ، ولو كانا وكيلين ، لقال : فليبعث وكيلاً من أهله ، ولتبعث وكيلاً من أهلها . وأيضاً فلو كانا وكيلين ، لم يختصا بأن يكونا من الأهل . 
 وأيضاً فإنه جعل الحُكْمَ إليهما فقال : " إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما " ، والوكيلان لا إرادة لهما ، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما . وأيضاً فإن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن ، ولا في لسان الشارع ، ولا في العرف العام ولا الخاص .
 وأيضاً فالحكم من له ولاية الحُكْمِ والإلزام ، وليس للوكيل شيء من ذلك . وأيضاً فإن الحَكَمَ أبلغ من حاكم ، لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت ، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك ، فإن كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض ، فكيف بما هو أبلغ منه .
 وأيضاً فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين ، وكيف يصحُّ أن يوكِّل عن الرجل والمرأة غيرهما ، وهذا يحُوِجُ إلى تقدير الآية هكذا : ( وإن خفتم شقاق بينهما ) ، فمروهما أن يوكِّلا وكيلين : وكيلاً من أهله ووكيلاً من أهلها ، ومعلوم بُعْدُ لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير ، وأنها لا تدل عليه بوجه ، بل هي دالة على خلافه ، وهذا بحمد الله واضح .
 وبعث عثمان بن عفان عبدالله بن عباس ومعاوية حَكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، فقيل لهما : إن رأيتما أن تفرّقا فرقتما [80]، وصحّ عن عليّ بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين : عليكما إن رأيتما أن تفرِّقا ، فرَّقتما ، وإن رأيتما أن تجمعا ، جمعتما[81] . فهذا عثمان ، وعليّ ، وابن عباس ، ومعاوية ، جعلوا الحكم إلى الحكمين ، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف ، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين من بعدهم ، والله أعلم ))[82] .
 ويمكن أن نناقش دليلي القول الأول بأنهما لا ينهضان حجة على دعواه ، وذلك أن تقييد الحكمين بكونهما من أهلهما لا يدل على أنهما وكيلان ، وإنما لخصوصية قضايا الأسرة أراد الله تعالى أن تبقى أسرارها بين الحريصين على عدم كشفها وعلى الإصلاح بدافع القرابة إضافة إلى دافع الإيمان ، كما أن ذكر إرادة الإصلاح لا ينفي أن لهما دوراً آخر ، بل الآية نفسها تدل على أن بذل الجهد والإخلاص للإخلاص حرصاً منه تعالى على إبقاء عرى الأسرة متماسكة .
 ولذلك فالراجح هو القول الأخير ، وعلى ضوء ذلك فعقد التحكيم ليس عقد الوكالة ، وإنما هو عقد مستقل له خصائصه التي ذكرناها من خلال النقول السابقة .
 وهكذا الأمر في مسألة الحكمين في باب جزاء الصيد ، حيث لا يرد أن يكونا وكيلين لأنه حينئذٍ يثور التساؤل حول كونهما وكيلين عمن ؟ ومن الذي وكلهما ؟ وإنما هما حكمان بأمر من الشرع يحكمان بالعدل والإنصاف .
 نعم لا ينكر أن يكون في التحكيم بعض الشبه بالتوكيل ، ولكن هذا الشبه لا يؤدي إلى انصهار التحكيم في بوتقة التوكيل ، كما هو الحال بالنسبة للمضارب ، والشريك مع كونهما لهما حكم الوكيل ولكنهما مختلفان عنه ، فالمضاربة والمشاركة عقدان مستقلان وليسا تابعين للوكالة .
 وحتى في عقد التحكيم المالي سواء أكان مشروطاً في العقد ، أم كان الاتفاق بعد النـزاع لا يمكن أن تطبق عليه أحكام الوكالة وإن كان فيه بعض الشبه والآثار ، وذلك لأن مقتضى عقد الوكالة أن الوكيل يعبر دائماً عن إرادة موكله ، ويحافظ على مصالحه ، في حين أن الحكم أو المحكم يعبر عن إرادته حسب ما يقتضيه العدل والإنصاف فهو حكم وحاكم ولا يجوز له أن يميل عن الحق ويعدل عنه ، ثم إن الحكم قد يكون شخصاً واحداً طبيعياً أو اعتبارياً ( مركز التحكيم ) فكيف يعبر عن إرادتي الموكلين المتعارضين ، والحق أن اعتبار عقد التحكيم عقد وكالة لا يستقيم مع الآثار الكثيرة للتحكيم التي تختلف تماماً عن كثير من آثار عقد الوكالة ، وقد ذكرنا بعضها آنفاً.
 ثم إن عقد التحكيم قد دلت على اعتباره الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع شأنه في ذلك شأن العقود المسماة في الفقه الإسلامي بل أدلته أقوى وأكثر من أدلة الوكالة .
 ومن جانب آخر حتى لو لم يرد به نصٌّ خاص فإن النصوص العامة من وجوب الوفاء بالعقود والشروط التي لم تخالف نصّاً صريحاً تستوعبه إضافة إلى أن الأصل في العقود والشروط الإباحة عند جمهور الفقهاء كما أثبتنا ذلك في رسالتنا الدكتوراه [83].

عقد التحكيم بين اللزوم والجواز :
 ويثور تساؤل آخر هل عقد التحكيم عقد لازم للطرفين بعد انعقاده بحيث لا يحق لواحد منهما فسخه إلاّ برضا الآخر كما هو شأن العقود اللازمة ، أم هو عقد جائز غير لازم يجوز لأي واحد منهما فسخه متى شاء ؟ وإذا كان عقداً غير ملزم فهل يظل غير لازم حتى بعد صدور الحكم ؟

إذن فالاحتمالات ثلاثة : الاحتمال الأول : أن عقد التحكيم يصبح لازماً بمجرد انعقاده بالإيجاب  والقبول إذا توافرت شروطه .
الاحتمال الثاني : أنه عقد جائز ( غير ملزم ) مطلقاً حتى بعد صدور الحكم حتى يحتاج إلى رضاء الطرفين بالحكم وإلاّ لم يصبح ملزماً .
الاحتمال الثالث:أنه عقد غير ملزم إلى الشروع في الحكم،فإذا شرع في إجراءات الحكم أصبح لازماً .
الاحتمال الرابع : أنه عقد جائز ( غير ملزم ) من حيث هو إلى أن يصدر الحكم فحينئذٍ يصبح ملزماً .
 وذهب إلى الاحتمال الثاني الشافعية في أحد قوليهم ورجحه المزني ، في حين رجح النووي القول الثاني[84] والإمامية[85] والزيدية في أحد قوليهم[86] .
 وهؤلاء يذهبون إلى أن الحكمين لكل واحد منهما حق الفسخ والرجوع قبل صدور الحكم ، وحتى إذا صدر لا بدّ من رضاهما حيث لا يلزم الحكم إلاّ بتراضيهما ، فحينئذ يكون حكمهما كالفتوى ، وهكذا الأمر بالنسبة للحكم حيث له الحق في رفض التحكيم مطلقاً ورده .
وهؤلاء قاسوا التحكيم على الفتيا ، وأن رضا المتخاصمين معتبر في بداية التحكيم فلا بدّ أن يكون معتبراً في نهايته ، وأن إلزامهما بحكم الحكم افتاتٌ على القاضي والإمام .
 وهذا دليل ضعيف لا ينهض أمام المناقشة ، فقياس التحكيم على الفتيا قياس مع الفارق ـ كما بينا الفوارق بينهما في بداية البحث ـ وقياس النهاية على البداية قياس سقيم ومع الفارق ، ولو قيل به لأدى إلى عدم لزوم أي عقد ، فجميع العقود لا بدّ فيها من التراضي في البداية في حين لا يشترط فيها الرضا بآثار العقد في النهاية ، كما أنه ليس فيه افتئات على القاضي والإمام لأن نطاق سلطة التحكيم محصوره فيما تراضى عليه الخصمان ، أما سلطة القاضي والإمام فواسعة تشمل كل القضايا ، كما تشمل إصدار الحكم بالعقوبات .
  وذهب إلى الاحتمال الثالث جمهور المالكية والحنابلة في الرواية المشهورة عندهم حيث أجازوا حق الرجوع إلى الشروع بإجراءات الحكم من إحضار البينة ونحوها وحينئذٍ يصبح العقد لازماً لا حق لهم من الرجوع[87] وقد رجح مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم 95/8/9 هذا الرأي فقال :  ( التحكيم عقد غير لازم لكل من الطرفين المحتكمين ، والحكم فيجوز لكل من الطرفين الرجوع فيه ما لم يشرع الحكم في التحكيم ، ويجوز للحكم أن يعزل نفسه ـ ولو بعد قبوله ـ ما دام لم يصدر حكمه ، ولا يجوز له أن يستخلف غيره دون إذن الطرفين ، لأن الرضا مرتبط بشخصه ).
  وذهب إلى الاحتمال الرابع فقهاء الحنفية[88] ، والشافعية في أظهر قوليهم[89] ، وبعض المالكية[90] ، وبعض الحنابلة[91] ، والإمامية[92] . فهؤلاء ذهبوا إلى أن لكل واحد من المتخاصمين الحق في فسخ التحكيم ما دام الحكم لم يصدر ، قياساً على الوكيل حيث للموكل الحق في فسخ عقد الوكالة مادام الوكيل لم ينفذ المهمة الموكلة إليه وقياساً على سلطة السلطان في عزل القاضي ( وهكذا الأمر بالنسبة للحكم ).
 ويمكن الإجابة عن هذه الأدلة بأن قياس التحكيم على التوكيل قياس مع الفارق ، فالوكيل نائب عن الموكل فيكون للموكل الحق في الاستغناء عنه كما أن الوكيل قد تمّ توكيله من قبل إرادة واحدة في حين أن الحكم قد تمّ بإرادة شخصين متخاصمين لتحقيق غرض واضح ، فما ثبت بتراضي الطرفين وجب أن لا يفسخ إلاّ بإرادتيهما ، وإلاّ فيكون عمل المتحاكم في فسخ التحكيم وحده سعياً في نقض ما تمّ من جهته وجهة غيره ، فيجب أن ينقض ، وحاول بعضهم قياس التحكيم على المشاركة ، والجواب عنه بما سبق إضافة إلى أن عقد المشاركة ملزم عند جماعة من الفقهاء منهم المالكية [93].
 وذهب إلى الاحتمال الأول ابن ماجشون من المالكية [94]حيث يرى أن التحكيم يصبح لازماً للمتحاكمين بعد موافقتهما على ذلك ، وليس لواحد منهما حق الرجوع وحده وفسخ عقد التحكيم إلاّ بموافقة الآخر .
 وهذا الرأي هو الذي يظهر لي رجحانه إذ أنّ أكثر اعتماد القائلين بكون التحكيم غير ملزم على القياس على عقد الوكالة ، وهو قياس لا يستقيم كما أوضحناه فيما سبق ، ومن جانب آخر فالأصل في العقود اللزوم إلاّ ما دلّ دليل  على غير لزومه ، أو أن صيغته تقوم على الجواز كما هو الحال في الوكالة حيث إن الأصل فيها أنها من عقود التبرع ، ومن جانب آخر فإن التحكيم من باب الولاية الخاصة بالحكم بين الخصمين اللذين أوجب كل واحد منهما ـ بقبوله التحكيم ـ للآخر حقاً في الفصل في المنازعة ، وحينئذٍ لا يجوز له الرجوع إلاّ برضا الآخر[95] .

 ومن جانب آخر فإن التحكيم إذا جاء شرطاً في العقود اللازمة مثل البيع والإجارة والاستصناع ونحوه فإن القول بعدم لزومية التحكيم يؤدي إلى خلخلة العقد وعدم الفائدة من الشرط وكونه عبثاً مع أن الشروط الواردة في العقود ملزمة ما دامت تلك الشروط غير مخالفة للنصوص الشرعية أو الإجماع ، حيث دلت النصوص الشرعية على وجوب الوفاء بالعقود والشروط والعهود ما دامت لا تتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله ـ صلىالله عليه وسلم ـ [96].   
 إلزامية الحكم بعد الصدور :
  ومع الاختلاف السابق بين الفقهاء في مدى إلزامية التحكيم بعد صدور الحكم فإنهم يكادون يتفقون على أن الحكم إذا صدر من المحكم أو المحكمين فإنه لازم للخصمين ، فلا يجوز لهما ، أو لأحدهما الرجوع عن التحكيم ، ولا عزل المحكم ، وأن رجوعهما باطل ، ولكن هذا الحكم خاص بهما فقط فلا يتعداهما إلى غيرهما ، وذلك لأنه صدر بحقهما عن ولاية شرعية نشأت من اتفاقهما فقط على اختيار الحكم للحكم عليهما ، فلا يسري أثر الحكم على غيرهما [97].
التحكيم عقد ملزم في القانون :
 يعتبر القانون أن التحكيم ـ سواء جاء شرطاً في العقد قبل حدوث النـزاع ( شرط التحكيم ) أو جاء بعد حدوث النـزاع من خلال اتفاق مستقل ( مشارطة التحكيم ) ـ ملزم للطرفين بمعنى أنه لا يجوز لأحدهما الفسخ دون الآخر ، كما أنه لا يجوز له رفض اللجوء إلى التحكيم ، فقد جاء في قرار لمحكمة التميز العراقي : ( أن القول بأن رفض اللجوء إلى التحكيم لا سند قانوني له ، لأن هذا الشرط سواء كان مطلقاً أو مقيداً فهو لازم للطرفين ، وليس لأحدهما أن يستبد بفسخه ، أو تعطيل أحكامه ، أو الامتناع عن تنفيذه بإرادته المنفردة وإلاّ انعدمت قيمته العلمية ، وأصبح عبثاً وغير لازم ، وهذا يتعارض مع إرادة المتعاقدين في تـثبيت شرط التحكيم في المقاولة ، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة لا يبقى للطرف الآخر الممتنع عن تنفيذ شرط التحكيم وتعيين المحكمين لحسم النـزاع الناشىء بينهما عملاً بالاتفاق ، وعليه فالمبدأ عند الاتفاق على التحكيم لا يجوز اللجوء ابتداءً إلى القضاء لحسم النـزاع )[98] .
مدى التـزام المحكم بالمضي في التحكيم :
 من المعروف المتفق عليه أن موافقة الخصمين على اللجوء إلى محكم لا يترتب عليه أي التـزام على المحكم إلاّ إذا وافق عليه ، لأن قرار القبول بيده لا يجبره أحد ولا يلزمه إلاّ إذا التـزم هو ، على عكس القاضي الذي لا يستطيع رفض القيام بمهمته مادام ذلك ضمن اختصاص محكمته وضمن صلاحيته ، لأنه معين من طرف وليّ الأمر لهذا الغرض ، فإذا قبل المحكم ذلك فحينئذٍ وجب عليه النظر في النـزاع وإصدار القرار النهائي بشأن الموضوع خلال الفترة التي حددها الطرفان ، أو القانون وفق الصيغة التي يتطلبها الواجب تطبيقه ، وتوقيع قراره ، وبيان أسباب حكمه إذا كان الاتفاق ، أو القانون يشترط ذلك [99].
وفي الفقه الإسلامي ترد الآراء السابقة حول مدى عدم لزوم التحكيم في هذه المسألة أيضاً ، والذي يظهر لنا رجحانه هو أن الحكمين إذا اتفقا على محكم فلا ينفرد أحدهما بعزله ، بل لا بدّ من اتفاقهما على ذلك ، وأن اتفاقهما إنما يؤثر في عزله قبل إصدار الحكم فقط[100] وهذا ما عليه القوانين حيث لا تجيز لأحد الخصمين عزل الحكم إلاّ بتوافقهما جميعاً [101] وذلك للأدلة الدالة على وجوب الالتـزام بالعقود والعهود من حيث المبدأ ، ولأن ذلك قد ثبت بتراضي طرفين فينبغي أن لا ينفرد أحدهما بعزل الحكم وإلاّ أدى ذلك إلى هدر إرادة الآخر .

 وأما الحكم نفسه فهل له حق الرجوع عن قبول التحكيم ؟ للإجابة عن ذلك : أن الآراء الفقهية السابقة تنطبق عليه ، وأن الذي يظهر لنا رجحانه هو أن الحكم ملزم بما وافق عليه ، فلا يجوز له ردّ التحكيم بعد موافقته إلاّ إذا وافق على ذلك الخصمان .

حالة عدم ذكر الحكم : إذا تمّ التعاقد على التحكيم ولم يذكر فيه المحكم فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرجع في ذلك هو القضاء [102].    
هل يمنع التحكيم اللجوء إلى القضاء ؟
 سبق أن ذكرنا أربعة آراء للفقهاء حول لزوم عقد التحكيم ، فعلى ضوء ذلك فمن أجاز للخصمين الرجوع وجعل التحكيم غير ملزم جاز له اللجوء إلى القضاء ، لأنه غير ملزم بالمضي في التحكيم ، ومن جعل التحكيم ملزماً لم يجز لهما الرجوع ، وبالتالي اللجوء إلى القضاء على ضوء التفصيل السابق ،ونحن رجحنا القول بلزوم عقد التحكيم إذا توافرت أركانه وشروطه ، فعلى ضوء ذلك فلا يقبل لجوؤهما إلى المحكمة وهذا ما عليه معظم القوانين العربية ، فقد نصّت الفقرة الخامسة من المادة ( 203 ) من القانون المدني الإماراتي على أنه : ( إذا اتفق الخصوم على التحكيم في نـزاع ما فلا يجوز رفع الدعوى به أمام القضاء ، ومع ذلك إذا لجأ أحد الطرفين إلى رفع الدعوى دون اعتداد بشرط التحكيم ولم يعترض الطرف الآخر في الجلسة الأولى جاز نظر الدعوى واعتبر شرط التحكيم لاغياً ) ، وجاء في المادة ( 236 ) من قانون المرافعات المدنية التجارية البحرينية قريب مما سبق ، ونصّت المادة ( السابعة ) من نظام التحكيم السعودي على عدم جواز نظر القضاء في الموضوع بعد اتفاقهم إلاّ وفقاً لاحكام هذا النظام ، ومع موافقة القانون العراقي على هذا المبدأ لكنه أجاز نظر الدعوى عند أحد الطرفين إلى رفع الدعوى دون اعتراض الآخر في الجلسة الأولى حيث اعتبر ذلك إلغاءً لشرط التحكيم ، أما إذا اعترض الخصم فتقرر المحكمة اعتبار الدعوى مستأخرة حتى يصدر قرار التحكيم ( م 253 من قانون المرافعات المدنية العراقي ، فقرة 2 ، 3 ) .
 والتحقيق أن التحكيم لا يلغي دور القضاء ، ولا يمس اختصاص المحكمة المختصة أصلاً بنظر النـزاع ، وإنما يمنعها فقط من النظر في الدعوى ما دام شرط التحكيم قائماً ، ولذلك إذا لم يتمّ التحكيم لأي سبب مقبول ، أو رفض تنفيذ القرار الخاص بالتحكيم فإن المحكمة المختصة ستنظر في دعوى النـزاع[103] .

دور القضاء بعد صدور حكم التحكيم :
 بعد صدور الحكم من المحكم يكون الحكم لازماً واجب التنفيذ ، ولا يجوز للقاضي نقضه إلاّ للأسباب التي ينقض بها حكم القاضي مثل أن يكون الجور واضحاً ، وهذا رأي جمهور الفقهاء  (المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والإمامية ، والإمام يحيى من الزيدية ، وابن أبي ليلى )[104].
 وذهب الحنفية ، والزيدية على المذهب[105] إلى أن القاضي له الحق في نقضه إذا خالف مذهب القاضي ، قال الكاساني في بيان أوجه الفرق بين حكم القاضي وحكم الحكم : ( ومنها أنه إذا حكم في فصل مجتهد فيه ، ثم رفع حكمه إلى القاضي ، ورأيه يخالف رأي الحاكم المحكم له أن يفسخ حكمه )[106] .
 والراجح هو قول جمهور الفقهاء ، لأنه لو كان للقاضي فسخه دون سبب مؤثر مقبول لما كان للتحكيم فائدة ، بل يكون عبثاً وعبئاً وتضييعاً للوقت ، ومن جانب آخر فإن رضا الطرفين يترتب عليه الالتـزام باحترام كل واحد منهما إرادته ، وما القضاء إلاّ لتنفيذ التـزامات الناس ، كما هو الحال في العقود ، حيث حينما تعرض على القضاء يلزم الطرفين بآثار عقودهما وهكذا ينبغي بالنسبة للتحكيم ،ومن جانب آخر فالحكم برضا من له الولاية ـ فإن الخصمين قد جعلا الحكم حاكماً بإرادتهما وولايتهما على نفسيهما ، فيكون حكمه كحكم القاضي الذي أعطاه الولاية من له حق الولاية على المسلمين ، ولا يوجد فرق جوهري إلاّ في أن الحكم خاص بالطرفين ، والحاكم عام .
تنفيذ حكم المحكم :
 وأما تنفيذ حكم المحكم إذا لم ينفذه المحكوم طوعاً فيكون عن طريق القاضي ، إذ لا سلطة تنفيذية لديه إلاّ عن طريق القضاء ، والولاية العامة .
 والقوانين الوضعية اتفقت مع رأي جمهور الفقهاء في أن حكم المحكم لا ينقض إلاّ من حيث ينقض حكم القاضي[107] .
 وأما التنفيذ فيتم عن طريق المحكمة بعد تصديقها ، حيث نصَّت المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي رقم (11) لعام 1992 على أنه:
 ( 1: لا ينفذ حكم المحكمين إلاّ إذا صادقت عليه المحكمة التي أودع الحكم قلم كتابها ، وذلك بعد الاطلاع على الحكم ووثيقة التحكيم ، والتثبت من أنه لا يوجد مانع من تنفيذه ، وتختص هذه المحكمة بتصحيح الأخطاء المادية في حكم المحكمين بناء على طلب ذوي الشأن بالطرق المقررة لتصحيح الأحكام ، 2: ويختص قاضي التنفيذ بكل ما يتعلق بتنفيذ حكم المحكمين) .
ولا تختلف القوانين الأخرى عن مضمون هذا النّص مثل المادة (203) ، والمادة (204) من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري رقم (13) لسنة 1990 الباب الثالث عشر ، والمادة (508) من قانون المرافعات المصري ، والمادة(271) من قانون المرافعات العراقي ، وغيرها .
 وقد يكون حكم المحكمين واجب التنفيذ عندما يصبح نهائياً ، وذلك بأمر من الجهة المختصة أصلاً بنظر النـزاع ، ويصدر هذا الأمر بناءً على طلب أحد ذوي الشأن مع التثبت من عدم وجود ما يمنع تنفيذه شرعاً ، وهذا هو نص المادة (21) من نظام التحكيم السعودي ، وغيره .
 ولا تختلف القوانين الغربية كثيراً عما سبق ، فقد جعل القانون الفرنسي في مادته (1477) رئيس المحكمة الابتدائية هو الذي يصدر الأمر بتنفيذ قرار التحكيم بناءً على طلب أحد الأطراف وبعد إيداع قرار التحكيم ونسخة من الاتفاق الخاص بالتحكيم قلم المحكمة المختصة بالنـزاع والإيداع يكون من قبل المحكم أو أحد الأطراف ، يتمّ إضفاء الصفة التنفيذية بالتأشير على قرار الحكم من قبل رئيس المحكمة وفي حالة رفض التنفيذ يجب أن يكون الرفض مسبباً المادة (1478)[108].
 وقد فصل قانون التحكيم التجاري الدولي البحريني رقم (9) لسنة 1994 كيفية تصحيح قرار التحكيم وتفسيره ، في المادة (33) ، والطعن في قرار التحكيم في المادة (34) ، والاعتراف والتنفيذ في المادة (35) ، وأسباب رفض الاعتراف ، أو التنفيذ في المادة (36) .

طلب بطلان حكم المحكم :
   يجوز للخصمين طلب بطلان حكم المحكمين عندما تنظر المحكمة في المصادقة عليه في الحالات التالية كما في المادة (273) من قانون المرافعات العراقي ، والمادة (216) من قانون الإجراءات الإماراتي : ( 1ـ إذا صدر حكم المحكم بغير بينة تحريرية ، أو بناءً على اتفاق باطل ، أو إذا كان القرار قد خرج عن حدود الاتفاق ، 2ـ إذا خالف القرار قاعدة من قواعد النظام العام ، أو الآداب ، أو قاعدة من قواعد التحكيم المبينة في هذا القانون ، 3ـ إذا تحقق سبب من الأسباب التي يجوز من أجلها إعادة المحاكمة ، 4ـ إذا وقع خطأ جوهري في القرار ، أو الإجراءات التي تؤثر في صحة القرار ) .
 وهذا ما نصَّت عليه المادة (207) من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري ، كما نصَّت المادة (205) منه على أنه ( يجوز لها في حالة الحكم بطلان حكم التحكيم كله ، أو بعضه أن تعيد القضية إلى المحكمين لإصلاح ما شاب حكمهم تفضل في النـزاع بنفسها إذا وجدت أنه صالح للفصل فيه ) .
 ونصَّت المادة (205) منه على أن ( أحكام المحكمين يجوز استئنافها طبقاً للقواعد المقررة لاستئناف الأحكام الصادرة من المحكمة المختصة أصلاً بنظر النـزاع ، وذلك خلال خمسة عشر يوماً من إيداع أصل الحكم قلم كتاب المحكمة ، ويرفع الاستئناف أمام محكمة الاستئناف المختصة ، ومع ذلك لا يكون الحكم قابلاً للاستئناف إذا كان المحكمون مفوضين بالصلح ، أو كانوا محكمين في الاستئناف ، أو كان الخصوم قد نزلوا صراحة عن حق الاستئناف ) .
 وهذا ما نصَّت عليه المادة (214) ، والمادة (215) ، من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي ، والمادة (18) ، (19) من نظام التحكيم السعودي ، والمادة ( 240) من قانون المرافعات المدنية والتجارية البحريني ، بل إن قانون التحكيم التجاري الدولي البحريني رقم (9) لسنة 1994 قد فصَّل كيفية الطعن في قرار التحكيم في المادة (34) ، والمادة (35) ، والمادة (36) لا يسع المجال لذكرها .

قصر حكم الحكم على المتحاكمين : وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء[109] ، وبه أخذت معظم القوانين.
الخلاصة مع ذكر المبادئ العامة :
 اتضح من خلال هذا البحث أن التحكيم مشروع تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة ، وأنه يختلف عن الإفتاء ، والقضاء والصلح والتوفيق ، وأنه عقد مستقل له خصوصيته وشروطه وضوابطه ومبادؤه ، وأن التحكيم في الفقه الإسلامي تسع دائرته كل المجالات المالية والاجتماعية والسياسية ونحوها ما عدا الحدود واللعان والعقوبات .

وهنا نذكر مجموعة من المبادئ العامة للتحكيم توصل إليها البحث منها :
من أهم مبادئ التحكيم ما يأتي :      
أولاً : مبدأ العدالة الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية كلها ، بل قامت السموات والأرض على العدل كما دلت على ذلك الآيات الكثيرة التي لا تعدّ هنا ولا تحصى .
  وعلى ضوء ذلك تطبق جميع مبادئ العدالة التي ذكرها الفقهاء في باب الحكم والقضاء ، وكذلك يمكن تقسيم الحكام (جمع حكم بفتح الكاف) إلى ثلاثة أنواع ـ كما هو الحال في القضاة ـ حكمان في النار ، وحكم واحد في الجنة وهو الذي يعرف الحق ويعمل به دون مجاملة لأحد ولا مراعاة لأي شيء سوى تحقيق العدل الذي يريده الله تعالى[110] .
ثانياً : أن التحكيم يدخل ضمن ما يسميه الفقهاء بالعادات ( أي غير العبادات ) ومن هنا فالأصل فيه الإباحة ، كما أنه عقد ، أو شرط وأن جمهور الفقهاء على أن الأصل في الشروط والعقود الإباحة إلاّ ما دلّ دليل خاص على حظره[111] ، وأن ما ورد فيه من النصوص القطعية لا يجوز تجاوزها ، وما سوى ذلك فهو محل اجتهاد ، كما أن ما ذكره الفقهاء من بعض الشروط والتفاصيل الخاصة بالتحكيم اجتهادات فقهية محترمة لا ينكر تأثرها بالأعراف السائدة والظروف المحيطة بها ، يمكن أن يستفاد منها ، من خلال الانتقاء منها ، وإعادة النظر فيها نظراً لتغير الظروف والأعراف والأحوال ، وأما النوازل الجديدة في التحكيم التي لم يتطرق إليها فقهاؤنا العظام فهي خاضعة للاجتهاد الإنشائي الذي يعتمد على النصوص الشرعية والأدلة المعتبرة .
 ومن هذا المنطلق نقول : إن التحكيم له مبادئ وشروط أساسية ذكرتها النصوص الشرعية ، وفيما عدا ذلك فإن جميع التفاصيل والشروط والقيود التي ذكرتها القوانين والاتفاقات الدولية والإقليمية تخضع لمبدأ واحد من مبادئ الشريعة الغراء وهو : أن لا تخالف نصّاً صريحاً من نصوص الكتاب والسنة .
 وهذا المبدأ عبر عنه جمهور الفقهاء بقولهم : الأصل في العقود والشروط والقيود الإباحة إلاّ ما دل دليل صريح على حرمته وحظره ، فكل صلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً أحلَّ حراماً ، أو حرَّم حلالاً ، وهكذا الأمر بالنسبة للشروط ، فكل شرط جائز إلاّ شرطاً خالف نصَّاً صريحاً من نصوص الكتاب والسنة ، أو الإجماع[112] .
 وبهذا المبدأ يسع التحكيم كل ما هو جديد نافع مادام لا يتعارض مع نصوص الشرع ، ومن المعلوم أن من حكمة الله تعالى أن جعل النصوص في مثل هذه القضايا قليلة حتى يترك المجال للاجتهادات والتطوير مع تغير الزمان والمكان .
 فأساس العقود هو التراضي وموجبها ما أوجبه العاقدان على أنفسهما حيث يجب حينئذٍ الوفاء به لقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود )[113] والآيات والأحاديث الكثيرة التي أوجبت الوفاء بالعقود والعهود والشروط .
ثالثاً : بما أن التحكيم اتفاق بين الطرفين فلا بدّ من اتفاق الخصمين على التحكيم سواء كان في نفس العقد ( أي عقد كان ) أو بعد نشوب النـزاع ، فهذا هو الركن الأساس له . ولا يشترط ذكر المحكم وفي هذه الحالة يلجأ في تحديد المحكم وفق الحاجة إما إلى القضاء ، أو إلى اتفاقهما على محكم.
رابعاً : يجوز للطرفين تقييد التحكيم ، واشتراط الشروط المناسبة مادام ذلك لا يتعارض مع نصّ من الكتاب والسنة أو الإجماع ، كما يجوز تعليقه ، أو إضافته إلى وقت مستقبلي عند جماعة من الفقهاء .
خامساً : التحكيم ملزم للطرفين على الرأي الذي رجحته فلا يجوز فسخه من طرف واحد ، أما إذا اتفقا على الفسخ قبل صدور الحكم فهذا من حقهما كما هو الحال في العقود الملزمة .
سادساً : وجوب توافر شروط القضاء في المحكم عند جمهور الفقهاء وقد نصَّ قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي 95/8/9 على أنه يشترط في الحكم بحسب الأصل توافر شروط القضاء ، وتوافر الأهلية في القانون ، ولا شك أن شروط الفقه أحوط لأهمية التحكيم الذي هو في جملته بمثابة القضاء ، وأن لا يكون ممنوعاً من التحكيم بأمر من وليّ الأمر كتعيين رجال القضاء بدون موافقة مجلس القضاء ، وهذا التقييد مقبول في الفقه الإسلامي ، لأن وليّ الأمر يملك ذلك .
سابعاً : محل التحكيم لا بدّ أن يكون مما تجوز المصالحة عليه بأن لا يكون من الحدود كما في الفقه الإسلامي ، أو من الحقوق العامة كما في القانون ، وقد نصّ قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ( قرار رقم 95/8/9 ) على أنه : ( لا يجوز التحكيم في كلّ ما هو حق الله تعالى كالحدود ، ولا فيما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه بالنسبة لغير المتحاكمين ممن له ولاية عليه كاللعان …) .
ثامناً :  جواز أن يكون المحكم واحداً أو أكثر ، وقد اشترط القانون أن يكون العدد وتراً في حالة التعدد مثل الثلاثة ، أو الخمسة وفي هذه الحالة يكون الحكم بالغالبية ، ولم يشترط الفقه الإسلامي ذلك ولكنه لا يمنع من هذا الاتفاق الذي يصدر من المتخاصمين ، أو من الدولة ، بل يجب احترامه[114] .
تاسعاً : حكم المحكم ، أو المحكمين بعد صدوره حجة ملزمة للطرفين ، ولكن إذا لم ينفذا فإنه لا بدّ من عرضه على القضاء لاعطائه القوة ، وقد نصّ قرار المجمع الفقهي الإسلامي الدولي ( رقم القرار 95/8/9 ) على أن الأصل أن يتم تنفيذ حكم المحكم طواعية ، فإن أبى أحد المحتكمين عرض الأمر على القضاء لتنفيذه .
عاشراً : ليس للقضاء نقض حكم المحكم إلاّ إذا كان ظلماً مبيناً ، أو مخالفاً لحكم الشرع وهذا ما نصَّ عليه قرار المجمع ( 95/8/9 ) .
أحد عشر : الأصل عدم جواز احتكام المسلم إلى غير المسلمين قضاءً ولا حكماً إلاّ إذا لم يمكنه الوصول إلى حقه إلاّ بذلك فحينئذٍ يجوز من باب الضرورة ، أو الحاجة التي تنـزل منـزلة الضرورة ، وبالأخص للمسلمين الذين يعيشون في البلاد غير الإسلامية ولا توجد فيها محاكم إسلامية تخصهم .
 ومما لا شك فيه أن التحكيم مطلقاً معتبر أيضاً في البلاد غير الإسلامية ، لذلك على المسلم أن يلجأ إلى المحكم المسلم أو مراكز التحكيم الملتزمة بالإسلام ، إن أمكنه ذلك ، ولكن إذا احتاج إلى تنفيذ حكم المحكم في البلاد غير الإسلامية فيجوز له الاحتكام إلى محاكمها للتنفيذ .
 وقد أجاز قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ( رقم القرار 95/8/9 ) احتكام الدول والمؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية حيث نصَّ على أنه : ( إذا لم تكن هناك محاكم دولية إسلامية يجوز احتكام الدول أو المؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية توصلاً لما هو جائز شرعاً).                 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .

(1) سورة الحديد / الآية ( 25 )
(2) سورة النساء / الآية ( 128 )
(3) وقد عقد البخاري في كتاب الصلح أربعة عشر باباً اشتمل على واحد وثلاثين حديثاً وافقه مسلم على تخريج غير المكرر سوى حديث واحد، وكان منها باب : " هل يشير الإمام بالصلح ؟ " قال الحافظ في الفتح ( 5/307 ) :( الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح ) ، ومنها باب : " إذا أشار الإمام بالصلح فأبى ، حكم عليه بالحكم البيّن " انظر صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ ( 5/297 ـ 311 ) 
(4) انظر رسالة عمر وهذه المرويات في أعلام الموقعين  ط . شقرون بمصر ( 1/86 ـ 108 )
(1) د . فوزي محمد سامي : " التحكيم التجاري الدولي " ط . دار الثقافة بعمان ( ص: 11 , 12 )
(2) أنشئ هذان المركزان بقرار من اللجنة الاستشارية القانونية الأسيوية الأفريقية (AALCC) التي عقدت دورتها العادية في يناير 1978 بالدوحة ، ووافق عليه رئيس جمهورية مصر بالقرار رقم (104) لسنة 1984 ، يراجع : بحث المستشار محمد بدر يوسف المنياوى ،المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، العدد التاسع ، الجزء الرابع ، (ص15) 
(3) بحث المستشار محمد بدر يوسف المنياوى ( ص19 )
(1) أبو زيد رضوان : " الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي " ط . دار الفكر العربي بالقاهرة (ص146ـ147 ) ، وبحث المستشار المنياوي السابق (ص16 ـ 17 )
(1) سورة مريم / الآية ( 12 )
(2) سورة الأنعام / الآية ( 114 )
(3) سورة النساء / الآية ( 45 )
(4) لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط مادة   " حكم  "
(5) سورة النساء / الآية ( 58 )
(6) سورة النساء / الآية ( 105 )
(7) سورة النساء / الآية ( 65 )
(8) رواه الإمام البخاري في كتاب الصلح ، باب : " إذا أشار الإمام بالصلح فأبى ، حكم عليه بالحكم البين " مع فتح الباري ( 5/309 ـ 310 )
(9) فتح الباري ( 5/310 )
(10) سورة المائدة / الآية ( 43 )
(11) سورة النساء / الآية ( 35 )
(1) المحرر الوجيز المشهور بتفسير ابن عطية ، ط . قطر ( 4/47 )
(2) سورة الأنعام / الآية ( 114 )
(3) المعجم المفهرس لألفاظ السنة المشرفة مادة " حكم "
(4) عرف قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ( قرار رقم 95/8/د90 ) التحكيم بأنه : " اتفاق بين طرفي خصومة معينة على تولية من يفصل في منازعة بينهما بحكم ملزم يطبق الشريعة الإسلامية "
(1) د . قحطان الدوري :  "عقد التحكيم والفقه الإسلامي والقانون الوصفي "، ط. الخلود ، بغداد 1405هـ ، (ص22) ، ود . أحمد أبو الوفا: " عقد التحكيم وإجراءاته " ط . منشأة المعارف بالاسكندرية 1974 (ص15 ) ، ود . فوزي محمد سامي " التحكيم التجاري الدولي " (ص17 ـ 18 ) ، ود . محمد محمود هاشم : " النظرية العامة للتحكيم "
ط . دار الفكر العربي بالقاهرة 1990 ( 1/72 ـ 76 ) .            
(1) يراجع : الموسوعة الفقهية الكويتية ( 10/234 ) ، وبحث المستشار المنياوي السابق ( ص128 )
(1) البحر الرايق ( 7/4 ـ 27 ) ، والفتاوى الهندية ( 3/400 ) ، وحاشية ابن عابدين ( 5/431 ـ 432 ) ومطالب أولي النهى ( 6/453 ) ، ومغني المحتاج ( 4/372 ) ، ويراجع : د . قحطان الدوري : المرجع السابق (ص0023 ) ، وبحث المستشار المنياوي السابق (ص28 ـ 29 ) .
(2) يراجع : البحر الرايق ( 7/27 ) ، والأستاذ محمد سلام مذكور : " القضاء في الإسلام " ط . ( ص ) ، وبحث المستشار المنياوي ( ص29 ) ، وشرح المجلة لخالد الأتاسي ( 6/24 )
(3) يراجع : الفروق للقرافي ( 4/52 ) ، وتبصرة الحكام لابن فرحون ( 1/65 ) ، ومغني المحتاج ( 4/372 ) ، ويراجع : كتاب " الفتيا ومناهج الإفتاء " للدكتور محمد سليمان الأشقر ، ط . دار النفائس بالأردن (ص 13 وما بعدها )
(4) تبصرة الحكام ( 1/65 )
(5) أولت لجنة القانون التجاري الدولي عناية بالتوفيق فأصدرت مجموعة من القواعد الخاصة به التي أقرت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4/12/1980 مع التوصية بالأخذ بها في حل المنازعات التجارية الدولية ودياً ..
انظر : د . فوزي سامي : المرجع السابق (ص19 ) ، ود . نبيل أحمد حلمي : " التوفيق كوسيلة لحل النـزاعات الدولية في القانون الدولي العام " ط . دار النهضة العربية بالقاهرة 1983 ( ص28 ) .
(1) سورة النساء / الآية ( 35 )
(2) أحكام القرآن ط . دار المعرفة بلبنان ( 1/421 ، 423 ) ، ويراجع لنفس المعنى تفسير القرطبي ط . دار الكتب المصرية ( 5/179 ) ، وتفسير ابن عطية ط . قطر ( 48 ) ، والبحر المحيط لأبي حيان ( 3/243 )
(3) انظر : أحكام القرآن للجصاص ( 2/231 ) ، وأحكام القرآن لابن العربي ( 1/421 ـ 423 ) ، والأم ( 5/177) ، ونهاية المحتاج ( 6/385 ) ، وكشاف القناع ( 5/211 )
(4) أحكام القرآن ( 1/423 ـ 424 ) ، ورواه الدار القطني ، وقال القرطبي في تفسيره ( 5/179 ) تعليقاً على هذا الخبر : ( وهذا إسناد صحيح ثابت عن ابن سيرين عن عبيدة )
(5) المصادر السابقة
(6) سورة المائدة / الآية ( 95 )
(7) الحديث متفق عليه ، انظر صحيح البخاري ، كتاب الجهاد ـ مع الفتح ـ ( 6/165 ) ، ومسلم كتاب الجهاد         ( 3 /1389 )
(1) سنن الدار القطني ( 4/242 ) ، والبيهقي ( 10/144 )
(2) أخبار القضاة لوكيع ( 2/189 )
(3) شرح معاني الآثار للطحاوي ( 4/10 ) ، وتلخيص الحبير ( 3/6 )
(4) المصنف لعبدالرزاق ( 1/249 ) ، وكنـز العمال ( 9/326 )
(5) يراجع صحيح البخاري مع فتح الباري ( 7/61 ـ62 )
(6) تأريخ الطبري ( 5/67 ) ، و د . قحطان الدوري : المرجع السابق (ص37 )
(7) المبسوط للسرخسي ( 21/62 ) ، وفتح القدير مع شرح العناية ( 5/498 )
(8) يراجع : المبسوط ( 21/62 ) ، وفتح القدير مع شرح العناية ( 5/498 ) ، ومواهب الجليل ( 6/112 ) ، والدسوقي على الشرح الكبير ( 4/135 ) ، ونهاية المحتاج ( 8/230 ) ، ومطالب أولي النهى ( 6/47 ) ، والمغني ( 9/107 ـ 108)
(9) المحلى لابن حزم ( 9/435 ) ، وتحفة المحتاج ( 10/118 )
(10) المراجع السابقة ، ويراجع للتفصيل د . قحطان الدوري المرجع السابق ( ص71 ـ 72 )
(1) وقد نصت معظم القوانين الوضعية على ذلك مثل القانون الفرنسي في المادة ( 1005 ) ، وقانون المرافعات المصري في مادته ( 501 ) ، وقانون المرافعات العراقي في مادته ( 252 ) ، وغيرها من القوانين ، ويراجع : د . قحطان الدوري : المرجع السابق (ص82 ) ، و د . أبو الوفا : المرجع السابق (ص27 )
(2) سورة البقرة / الآية ( 28 )
(3)  يراجع لتفصيل ذلك في الفقه الإسلامي والقانون : " مبدأ الرضا في العقود " ط . دار البشائر الإسلامية بيروت 1985م
(2) البحر الرايق ( 7/24 ) ، ومواهب الجليل ( 6/112 ) ، ومغني المحتاج ( 4/378 ) ، والمغني ( 9/000107 ) ، والموسوعة الفقهية الكويتية ( 10/237 )
(4) البحر الرايق ( 7/26 ) ، والفتاوى الهندية ( 3/268 ) ، والشرح الكبير مع الدسوقي ( 4/136 ) ، وروضة الطالبين (11/12 ) ، والمغني لابن قدامه ( 9/108 )
(5) تبصرة الحكام ( 1/43 ـ 44 ) ، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ( 4/136 )
(1) المغني لابن قدامه ( 9/108 )
(2) المصادر السابقة
(3) حاشية ابن عابدين ( 5/428 ) ، ومغني المحتاج ( 4/379 )
(4) البحر الرايق ( 7/24 ـ 29 )
(1) انظر : طه أبو الخير : " حرية الدفاع " ط . منشأة المعارف بالاسكندرية (ص318 ) وقد استقصى مسائل التحكيم الإجباري فوجدها قليلة ، و د . قحطان الدوري : المرجع السابق ( ص73 )
(2) الأم ( 5/177 ) ، ونهاية المحتاج ( 6/385 ) ، وأحكام القرآن ( 1/427 )
(3) سورة النساء / الآية ( 35 )
(4) أحكام القرآن ( 1/427 )
(5) المصدر السابق نفسه ، وتفسير ابن عطية ( 4/48 ) ، والتفسير الكبير للرازي ط . دار احياء التراث العربي ببيروت (10/92 ) ، وتفسير ابن عباس ، ومروياته في الكتب الستة ، للدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي ط . جامعة أم القرى (1/237 )
(6) أحكام القرآن ( 1/421 ـ 424 )
(7) سورة البقرة / الآية ( 229 )
(8) أحكام القرآن ( 1/425 )
(9) المصدر السابق ( 1/425 ) ، وتفسير الكبير للرازي ( 10/93 )
(1) أحكام القرآن لابن العربي ( 1/427 )
(2) سورة المائدة / الآية ( 95 )
(3) يراجع : أحكام القرآن لابن العربي ( 2/674 ) ، وأحكام القرآن للجصاص ( 2/469 ) ،وتفسير ابن عطية (5/0 ) ، والتفسير الكبير للرازي ( 12/86 ـ 92 ) ، وفتح القدير للشوكاني ط . عالم الكتب ( 2/78 )
(4) البحر الزخار ( 3/328 ) ، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 2/83 ) ، والخرشي ( 2/376 ) ، وبداية المجتهد (1/346 ) ، والمغني مع الشرح الكبير ( 3/535 ) ، والسيل الجرار ( 2/184 ) ، ود . قحطان الدوري : المرجع السابق (ص321)
(5) انظر الدر المنثور ( 2/329 ) وأسنده إلى ابن أبي حاتم ، وعبيد بن حميد ، وتفسير ابن كثير ( 2/99 )
(6) رواه الحاكم في المستدرك ( 3/310 ) وقال صحيح على شرط الشيخين ، يراجع : الدر المنثور ( 2/329 ) وقال أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، ومجمع الزوائد ( 3/231 ـ 232 ) وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات .
(1) أحكام القرآن للجصاص ( 2/191 ) , والأم ( 5/103 ـ 104 ) ، والغاية القصوى تحقيق علي القره داغي(2/773) ، والانصاف ( 8/380 ) ، وتفسير الطبري ( 8/329 ) ، البحر الزخار ( 4/89 ) ، والمصنف لعبدالرزاق الصنعاني (6/511 )
(2)أحكام القرآن للجصاص ( 2/191 ـ 192 )
(3) التفسير الكبير للرازي ( 10/93 )
(4) نهاية المحتاج ( 6/385 ) ، والانصاف ( 8/381 ) ، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ( 32/25 ) ، وزاد المعاد ط . مؤسسة الرسالة ( 5/190 ) ، والمحلى لابن حزم ( 7/88 )
(5) انظر : د . قحطان الدوري : المرجع السابق ( ص467 )
(6) أحكام القرآن ( 1/424 )
(7) مجموع الفتاوى ( 32/25 ـ 26 )
(1) أخرجه عبدالرزاق ( 11885 ) ، والطبري ( 5/45 ) ورجاله ثقات
(2) أخرجه الشافعي في المسند (2/362) وفي الأم (5/177) ،والطبري(9407)، وعبدالرزاق في المصنف (11883 ) ، والبيهقي في السنن ( 7/305 ـ 306 ) ، وإسناده صحيح
(3) زاد المعاد ، تحقيق الشيخين شعيب الأرنؤوط  عبدالقادر الأرنؤوط  ط . الرسالة ( 5/190ـ 191 )
(1)     مبدأ الرضا في العقود ، دراسة مقارنة ط . دار البشائر الإسلامية بيروت 1985 ( 2/1148 ـ 1164 )
(1) الروضة حيث وصف هذا القول بغير الأظهر ( 11/122 ) ، ونهاية المحتاج ( 8/231 ) ، وأدب القاضي للماوردي (2/382 )،يقول النووي في الروضة (11/122):(وهل  يلزم حكمهما بنفس الحكم كحكم القاضي أو لا يلزمه إلا بتراضيهما بعد الحكم؟ فيه قولان،ويقال:وجهان،أظهرهما الأول،ومتى رجع أحدهما قبل الحكم امتنع الحكم حتى لو أقام المدعي شاهدين،فقال المدعى عليه:عزلتك لم يكن له أن  يحكم)،ويراجع د . الدوري:المرجع السابق ص152
(2) مفتاح الكرامة ( 10/3 )
(3) البحر الزخار ( 6/114 )
(4) الذخيرة للقرافي ( 8/50 ) ، والإنصاف ( 11/199 ) ، وجاء في تبصرة الحكام ( 1/43 ) : أنه لو أقاما البينة عند الحكم ، ثم أراد أحدهما أن يرجع عن التحكيم قبل الحكم تعين على الحكم أن يصدر حكمه ، وجاز حكمه . فعلى ضوء ذلك لهما الحق في الرجوع إلى أن يقيما البينة ، فإذا فعلا ذلك امتنع الفسخ ، وذهب اصبغ إلى أن حق الفسخ باق إلى لأن  تبدأ الخصومة أمام الحكم ، فإذا بدأت لم يبق حق الفسخ وتعين المضي فيها إلى النهاية .
(1) حاشية ابن عابدين ( 5/429 )
(2) روضة الطالبين ( 11/122 )
(3) المنتقى للباجي ( 5/227 ) ، وأحكام القرآن لابن العربي ( 1/00421 )
(4) الإنصاف ( 11/199 )
(5) مفتاح الكرامة ( 10/3 )
(6) انظر : حاشية الدسوقي ( 3/348 )
(7) المنتقى للباجي ( 5/227 )
(8) حاشية الرهوني على الزرقاني ( 7/301 )
(9) يراجع للتفصيل " مبدأ الرضا في العقود " دراسة مقارنة ، ط . دار البشائر الإسلامية / بيروت ( 2/1032 ، 1148 )
(1) البحر الرائق ( 7/27 ) ، وحاشية الدسوقي ( 3/348 ) ، ونهاية المحتاج ( 8/231 ) ، والكافي لابن قدامه         ( 3/436 ) ، ومطالب أولي النهى ( 6/ 472 )
(2) رقم قرار محكمة التميز 98/ هيئة عامة أولى / 1976 في 9/10/1976 ، منشور في مجلة الأحكام العدلية / العدد الرابع ، السنة السابعة 1976 (ص186) ، ويراجع : د . نوري محمد سامي : " التحكيم التجاري الدولي " (ص114)
(3) د . فوزي محمد سامي : المرجع السابق (ص 235 ، 239 )
(4) المغني لابن قدامه مع الشرح الكبير ( 11/484 ) ، والمصادر السابقة في الفقرة السابقة
(5) وهذا ما نصّت عليه المادة ( 503 ) من قانون المرافعات المصري ، والمادة ( 845 ) من قانون الأصول اللبناني ، والمادة (515 ) من قانون الأصول السوري ، وغيرها ، ويراجع د . فوزي : المرجع السابق ، ود . قحطان الدوري : المرجع السابق (ص145)
(1) يراجع:تبين الحقائق(4/194)،وروضة الطالبين(11/121)،ويراجع :أ.د.محمد رأفت عثمان:القضاء في الفقه الإسلامي(ص
(2) د . أحمد أبو الوفا : المرجع السابق (ص125)
(1) تبين الحقايق ( 4/194 ) ، وإرشاد السالك ( ص182 ) ، ونهاية المحتاج ( 8/231 ) ، وروضة الطالبين ( 11/123 ) ، والمغني مع الشرح الكبير ( 11/484 ) ، مفتاح الكرامة ( 10/3 ) ، والبحر الزخار ( 6/114 ) 
(2) حاشية ابن عابدين ( 5/431 ) ، والبحر الزخار ( 6/114 ) ، ويراجع د . قحطان الدوري : المرجع السابق (ص630)
(3) بدائع الصنايع ط . زكريا يوسف بالقاهرة ( 9/4081 )
(4) انظر المادة ( 503 ) من قانون المرافعات المصري ، والمادة ( 261/1 ) من قانون المرافعات العراقي ، والمادة ( 36 ) من لائحة إجراءات التحكيم التي أقرت من قبل لجنة التعاون التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي بالرياض في نوفمبر 994 ، والتعديلات المعتمدة في 5/10/1999 بمدينة العين بالإمارات .
(1)     د . فوزي محمد سامي : المرجع السابق ( 371 ـ 372 )
(1) البحر الرائق ( 7/26 ) ، ونهاية المحتاج ( 8/231 ) ، والإنصاف ( 11/198 )
([110]) إشارة إلى الحديث المعروف الذي رواه أبو داود ، الحديث 3573 وابن ماجه ، الحديث 2315 والترمذي (1/248) والبيهقي (10/116) والحاكم (4/90) وقال : صحيح الاسناد بسندهم عن ابن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : ( القضاة ثلاثة ، واحد في الجنة ، واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) وقد صححه الألباني في إوراء الغليل (8/235) الحديث 2614 ، وقبله صححه الآخرون منهم الحافظ  في التلخيص (4/185) 
(2) أثبتنا في رسالتنا الدكتوراه : " مبدأ الرضا في العقود ) ط . دار البشائر الإسلامية ببيروت ( 2/1148 ) أن جماهير الفقهاء ما عدا الظاهرية يقولون بهذا الأصل .
(3) وقد روي في هذا المعنى عدة أحاديث منها حديث : ( المسلمون عند شروطهم ) قال الألباني في الإرواء (5/142) الحديث 1303 صحيح وقد روي من حديث أبي هريرة ، وعائشة ، وأنس بن مالك ، وعمرو بن عوف ، ورافع بن خديج ، وعبدالله بن عمر .
 ومنها حديث ( الصلح جائز بين المسلمين ) أخرجه أبو داود الحديث 3594 وابن الجارود ( 637 ، 638 ) ، وابن حبان (1199 )والدارقطني ( 300 ) ، والحاكم ( 2/49 ) ، والبيهقي ( 6/79 ) .
 ومنها حديث ( الصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً حرَّم حلالاً ، أو أجلَّ حراماً ، والمسلمون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرَّم حلالاً ، أو أحلَّ حرماً ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ( 1/253 ) ، وابن ماجه الحديث ( 2353 ) دون المسلمون على شروطهم ) ، والدارقطني والبيهقي وابن عدي في الكامل ، النصف الثاني منه ، ويراجع فتح الباري ( 4/371 )      
(3) سورة المائدة / الآية ( 1 )
(1) يراجع : د . عبدالله محمد عبدالله  : " مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي والقانون " منشور في مجلة المجمع  العدد التاسع ، الجزء الرابع (ص139)


المبادئ العامة للتحكيم في الفقه الإسلامي وكيفية التحكيم في البنوك الإسلامية   د / علي محي الدين القره داغي



القسم الثاني
التحكيم في البنوك الإسلامية
( العقبات والاقتراحات )
  
بعض مشاكل التحكيم في البنوك الإسلامية :
 تنصُّ معظم عقود البنوك الإسلامية للمرابحات والاستصناع وغيرهما على التحكيم عند التنازع ، وذلك لسهولة إجراءات التحكيم ، ولكن بعض البنوك الإسلامية في بعض الدول بدأت تتراجع عن هذا الشرط ، وتنصّ في عقودها على اللجوء إلى المحاكم بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ونصوص العقد .
1ـ فمثلاً تعتبر الرسوم القضائية في دولة قطر قليلة حيث لا يتجاوز ثلاثة آلاف ريال قطري مهما كانت قيمة العقد ، في حين أن مصاريف التحكيم وأتعاب المحكمين أكثر بهذا بكثير ، بل قد تكون باهضة الثمن إذا كانت قيمة العقد كبيرة ، ولذلك يلجأ إلى القضاء بدل التحكيم .
2ـ ومن جانب آخر فإن قضايا عدم سداد ديون البنوك أو التأخير فيه أصبحت كثيرة ، فبعض البنوك لها أكثر من خمسين قضية فكيف سيكون الوضع لو كانت هذه القضايا محالة على التحكيم.
3ـ ومن جانب آخر فإن اللجوء إلى التحكيم قد يكون المبرر فيه هو سرعة البت في الموضوع وقد وجد أن بعض الدول مثل دولة قطر لا تتأخر فيها القضايا كثيراً ، وأن محاكمها تأخذ بنظر الاعتبار ظروف البنوك الإسلامية التي لا تأخذ فوائد التأخير فتقدمها على القضايا المالية التي تؤخذ على تأخيرها الفوائد الربوية ، ومن هنا فلا تتأخر قضايا البنوك الإسلامية في المحاكم القطرية كثيراً ، ربما يتقارب الزمن المطلوب للبت في القضية في المحاكم من زمن إصدار الحكم من المحكمين .
4ـ وأيضاً فإن هناك مشاكل شكلية تعيق عملية التحكيم مثل وجود سهو في العنوان البريدي لمكان التحكيم أو خطأ فيه ، أو في عناوين الأطراف حيث يجعل ذلك سبباً لعدم انعقاد التحكيم .
5ـ وهناك مشكلة المحكمين أنفسهم حيث أن عدداً ليس بالقليل منهم لا يستوعبون فنيات وشكليات التحكيم ومتطلباته القانونية ، وحينئذٍ يترتب على ذلك بالضرورة بطلان حكم التحكيم وضياع حقوق وأموال ووقت أطراف النـزاع .
6ـ وهناك معضلة أخرى لا تقل عن سابقتها وهي أن أحد أطراف النـزاع قد يعاند في تعيين المحكم وحينئذٍ يتعين على الطرف الآخر ، أو بقية الأطراف اللجوء إلى المحكمة المختصة بنظر النـزاع لتعيين محكم الطرف الممتنع مما يترتب عليه إطالة أمد النـزاع ، وفقدان أهم ميزة للتحكيم .
 ومن جانب آخر فإن اختيار المحكم المرجح قد يستغرق وقتاً طويلاً ، ووقتاً أكثر في الاتفاق على بنود وثيقة التحكيم وهكذا نجد أشهر أو سنوات تمر دون إصدار حكم من هيئة التحكيم ، فهناك قضية كان فيها شرط التحكيم ظلت متداولة بالمحاكم لمدة خمس سنوات حتى صدر فيها حكم بتعيين الحكم المرجح.
7ـ وهناك مشكلة أخرى تمس قضية الطعن بالتزوير حيث يوقف عمل هيئة التحكيم حتى تفصل المحاكم المختصة في دعوى التزوير الأصلية المقامة من أحد الأطراف .
ولهذه الأسباب بدأت بعض البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تلجأ إلى المحاكم بدلاً من التحكيم ولا سيما في البلاد التي لا تـزال إجراءات القضاء غير معقدة .
بعض التحسينات في العقود لعلاج بعض هذه المشاكل مع مثال:
 ونظراً للمشاكل السابقة فقد حاولت مع محامي البنك أن تتجاوز بعضها من خلال ذكر التفصيلات الكافية في البند الخاص بالتحكيم ، ومن خلال أن يكون اختيار محكم يتم ترشيحه من قبل هيئة الرقابة الشرعية ، ومحكم يتم ترشيحه من قبل غرفة تجارة وصناعة قطر ، ومحكم يتم ترشيحه من قبل المحكمين الأوليين .    
 وبهذا الشرط اختصرنا الزمن ، وتجاوزنا معاندة أحد أطراف النـزاع ، أو مماطلته في الاختيار . كما أننا أدخلنا التفصيلات القانونية الكافية في نفس البند الخاص بالتحكيم حتى لا يتجاوزها المحكمون ، ولأهمية ذلك أذكر البند الخاص بقضية كنتُ أحد أعضاء هيئة التحكيم فيها وهو :
البند الثامن : (( أي خلاف أو نـزاع ينشأ بين طرفي / أطراف هذا العقد خاص بتفسير أو تنفيذ أي بند من بنوده يعرض على هيئة تحكيم ثلاثية يتم اختيارها كالتالي :
1       ـ محكم يتم ترشيحه من قبل هيئة الرقابة الشرعية للطرف الأول .
2       ـ محكم يتم ترشيحه من قبل غرفة تجارة وصناعة قطر .
3       ـ محكم مرجح يتم ترشيحه من قبل المحكمين الأوليين ، فإذا لم يتفقا على ذلك تفوض هيئة الرقابة الشرعية للطرف الأول في ترشيحه .            
  وتبدأ إجراءات التحكيم بموجب كتاب مسجل يرسل من طالب التحكيم للطرف الثاني للنـزاع يعلنه بموجبه بأسباب النـزاع والطلبات المراد الحكم بها ورغبته في إحالة الموضوع للتحكيم وذلك في خلال أسبوعين من تاريخ إرسال الكتاب المسجل ، فإذا انقضت تلك المدة دون أن يتسلم طالب التحكيم ردّ من الطرف الثاني للنـزاع أو دون أن يتم الاتفاق بين طرفي النـزاع على إحالته للتحكيم ، فإنه يحق لطالب التحكيم السير فوراً في إجراءات التحكيم وذلك بإرسال كتابين مسجلين الأول لهيئة الرقابة الشرعية للطرف الأول ، والثاني لغرفة تجارة وصناعة قطر ( ونسخة منهما للطرف الثاني للنـزاع ) وذلك على العنوان التالي : ص .ب : 644 الدوحة ـ قطر لهيئة الرقابة الشرعية للطرف الأول ، ص.ب : 402 لغرفة تجارة وصناعة قطر ، يعلنهما بموجبهما بنشوء نزاع بينه وبين أحد / باقي أطراف هذا العقد ( مع ذكر ملخص النـزاع والطلبات المراد الحكم بها ) وعدم توصلهما إلى اتفاق بشأنه ، وطالباً ترشيح محكم من كل منهما لنظر ذلك النـزاع ، وبمجرد ورود اسمي العضوين المرشحين ، يجب على الطرف طالب التحكيم إرسال كتاب مسجل إلى الطرف الثاني للنـزاع يعلنه فيه بضرورة تواجده بمقر الطرف الأول وفي مواعيد عمله الرسمية ( من الساعة السابعة والنصف وحتى الساعة الحادية عشر والنصف صباحاً ) للتوقيع على وثيقة التحكيم ، مع إحضاره باسمي المحكمين اللذين تم ترشيحهما من قبل هيئة الرقابة الشرعية للطرف الأول وغرفة تجارة وصناعة قطر ، وذلك في خلال عشرة أيام من تأريخ إرسال الكتاب المسجل .
 إذا تواجد الطرف الثاني للنـزاع بمقر الطرف الأول خلال المهلة المحددة ، يتم التوقيع على وثيقة التحكيم والتي يجب فيها تسمية المحكم المرجح مع تحديد أول جلسة لنظر النـزاع وآخر ميعاد لتقديم المستندات ومذكرات الدفاع ، فإذا تخلف الطرف الثاني للنـزاع عن الحضور فإنه يتم إبلاغه بواسطة هيئة التحكيم بموجب كتاب مسجل بميعاد أو جلسة أسبوعين فإذا لم يحضر ـ رغماً عن ذلك ـ تؤجل الجلسة الأولى إلى جلسة أخرى تعقد في خلال مدة أقصاها أسبوعين يعلن بها الخصم الغائب ، فإذا لم يحضر الأخير الجلسة المؤجلة أو لم يودع مستنداته أو مذكرة بدفاعه ، ينظر النـزاع في غيبته ويصدر الحكم بناء على المستندات المقدمة في النـزاع وفي نطاق ما ورد بوثيقة التحكيم ، ويسري نفس الحكم في حالة حضور الطرف الثاني للنـزاع لإحدى جلسات التحكيم وغيابه عن باقي الجلسات حتى ولو لم يودع مستنداته أو مذكرة بدفاعه .
 في حالة استقالة أي محكم ( بما في ذلك رئيس الهيئة ) أو وفاته ( لا قدر الله ذلك ) أو امتناعه أو عجزه عن العمل أو اعتزاله أو عزل منه أو قام مانع من مباشرته له يعين محكم بدله بنفس الطريقة التي عين بها المحكم الأصلي ، ويكون للخلف جميع سلطات المحكم الأصلي ويقوم بجميع واجباته .                     
 ويتم الفصل في النـزاع على أساس ما ورد ببنود هذا العقد في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ونصوص القوانين القطرية والأعراف والقواعد الخاصة والعامة التي لا تـتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية .
 وتحدد الهيئة الإجراءات الخاصة بها مستهدية في هذا العقد بإجراءات التحكيم الوارد في قانون المرافعات القطري رقم (13) لسنة 1990 ( المواد من190حتى210 ).
 ويكون لهيئة التحكيم الحق في الفصل في جميع طلبات طرفي النـزاع المرتبطة بالنـزاع الأصلي ، وفي جميع المسائل الأولية التي يتوقف عليها الفصل في النـزاع الأصلي بما في ذلك الفصل في جميع المسائل المتعلقة باختصاصها عدا المسائل التي تخرج أصلاً عن ولايتها ، وعلى سبيل المثال يكون لهيئة التحكيم من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد طرفي النـزاع اتخاذ ما يلي من إجراءات الإثبات: ندب الخبراء ، سماع الشهود ، توجيه اليمين المتممه ، توجيه اليمين الحاسمة .
 ويجب أن يصدر حكم هيئة التحكيم في خلال ثلاثة أشهر على الأكثر من تأريخ توقيع المحكمين على وثيقة التحكيم ، مالم يرتض طرفي النـزاع كتابة بامتداده . ويكون حكم هيئة التحكيم سواء صدر بالإجماع أم بالأغلبية باتاً ونهائياً وغير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن .
 إذا ثارت أي منازعة بين طرفي النـزاع بشأن تفسير حكم هيئة التحكيم فإنه لا يجوز لأيهما أن يطلب كتابة من هيئة التحكيم في خلال مدة أقصاها خمسة عشر يوماً من تأريخ صدور الحكم ، إصدار تفسير له ، وعلى الهيئة إصدار التفسير المطلوب في غضون خمسة عشر يوماً من تأريخ تسلمها لطلب التفسير ، ويعتبر الحكم الصادر بالتفسير متمماً من كل الوجوه للحكم الذي يفسره ويسري عليه ما يسري على الحكم الأصلي من كونه باتاً ونهائياً ، ولا يترتب علة تقديم طلب التفسير وقف تنفيذ الحكم الأصلي .
 هذا ويلتزم من يحكم ضده من طرفي النـزاع بجميع مصروفات التحكيم وأتعاب المحكمين أو بنسبة ما يحكم به عليه ، وعلى أن تسدد أتعاب المحكمين مقدماً وبالتساوي بين طرفي النـزاع عند التوقيع على وثيقة التحكيم ، أو تسدد كاملة من طالب التحكيم في حالة غياب الطرف الثاني للنـزاع )) .



 الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين
وبعد
 فمن مستلزمات الالتزام بالإسلام الالتزام بنظمه وأحكامه ، ولذلك أوجب الله تعالى على المؤمنين أن يأكلوا من الطيبات (أي الحلال الطيب) كما أمر بذلك رسله الكرام فقال تعالى : (يا أيها الذين امنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون)[1] كما أمرهم أيضاً بالانفاق من الطيبات فقال تعالى : (يا أيها الذين امنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم)[2] . 
 كما ربط الله تعالى بين القرب من الله تعالى واستغفاره وبين رغد المعيشة وبركتها ونعمتها فقال تعالى : (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً)[3] .
 وتحقيق الطيبات من الملبس والمأكل والمشرب ونحوهما إنما يتم من خلال أمرين أحدهما العلم بالحلال والحرام وطريق البيع والشراء ، وأحكام العقود وشروطها وضوابطها ، والثاني الالتزام بمقتضى ذلك العلم ، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يمنع المتاجرة في السوق إلاّ لمن كان عالماً بالحلال والحرام ، حيث قال : ( لا يبع في سوقنا إلاّ من تفقه في الدين)[4] .
 والعلم بالحلال والحرام في باب المعاملات إنما يتم بأحد الوجهين : فإما أن يكون المتعامل فقيهاً عالماً بأحكام المعاملات ، أو عن طريق سؤال أهل الذكر .
 وبما أن العلم بالمعاملات المالية المعاصرة وأحكام البنوك والشركات ليس ميسوراً لكل أحد ، وبالأخص للإداريين ورجال الأعمال اقتضت الضرورة لسلامة مسيرة المؤسسات المالية الإسلامية أن تكون لها هيئات شرعية تكون مرجعاً لإدارتها الفنية ، ولتقوم بالإشراف والرقابة على أعمالها ،وفحصها وتقديم تقرير مفصل إلى المساهمين من خلال الجمعية العمومية لهم ، ناهيك عن المساهمة في تطوير الآليات الشرعية لتلك المؤسسات ، وتكون قراراتها ملزمة فيما يخص الجانب الشرعي.
 وقد تطورت هيئات الرقابة الشرعية منذ نشأتها مع أول بنك إسلامي (بنك دبي الإسلامي عام 1975) إلى يومنا هذا سواء أكان تطويرها من خلال الشكل أم المضمون والآليات حيث تم إنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية للاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية من خلال اجتماعها التمهيدي باستضافة بنك دبي الإسلامي في 12- 13 إبريل 1983 ثم الاجتماع الثاني بإسلام آباد في 22- 24 مارس 1984 ، ثم الثالث بالقاهرة في آخر عام 1984 ، حيث بدأت بمناقشة قضايا عملية مهمة ، فأصدرت عدداً من الفتاوى ووضعت لنفسها لائحة لتنظيم اجتماعاتها وقراراتها ، لكنها مع الأسف الشديد توقفت فيها .
 وكذلك أنشئت في السودان الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية بالسودان في 2 مارس 1992 من أحد عشر عضواً معظمهم من علماء الشريعة ، ومن علماء الاقتصاد والمصارف[5] .
 وكذلك أدت الهيئة الشرعية الموحدة للبركة دوراً متميزاً في خدمة العمل المصرفي ، وآلياته ، وتطوير الرقابة الشرعية ، والقيام بأنشطة طيبة في مجال عقد المؤتمرات والندوات والحلقات التي أثرى بها العمل المصرفي ، بل والاقتصاد الإسلامي العملي ، وذلك بسبب الدعم الكبير الذي تلقته الهيئة من الإدارة التي يرأسها الشيخ صالح كامل جزاه الله خيراً .
 ثم خطت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية خطوة رائدة من خلال إنشائها لجنة شرعية تقوم بمراجعة وإجازة الدراسات الشرعية الممهدة لإصدار معايير المراجعة والمحاسبة والأخلاقيات ، ثم مراجعة هذه المعايير عند إعدادها ، ثم تطورت هذه اللجنة فتحولت منذ عام 1999م إلى المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية .
 ولم يقف دور هيئة المحاسبة والمراجعة عند هذا الحدّ ، بل قامت بتنظيم مؤتمرات كبيرة للهيئات الشرعية ، حيث نحن اليوم نجتمع في مؤتمرها الثالث الذي خصص لعدة محاور منها المحور الذي كلفت بالكتابة فيه ، وهو : الهيئات الشرعية بين الأخطاء والمخالفات الشرعية في المصارف الإسلامية ، والسرية المهنية ، ومدى تأثيره سلباً أو إيجاباً على المصرفية الإسلامية .
 وقد بذلت فيه جهدي وصرفت فيه طاقتي ليخرج الموضوع بما يتناسب مع أهمية المؤتمر ، ولتحقق الغرض المنشود منه ، حيث تطرقت إلى التعريف بالأخطاء الشرعية والمخالفات الشرعية ، والفرق بينهما ، وحكم الخطأ ، وحكم المخالفة بإيجاز ، والتطبيق العملي لما سبق للمؤسسات المالية الإسلامية ، ثم تطرقت إلى واجب الهيئة الشرعية في بيان الأخطاء والمخالفات الشرعية ، ومسؤولية الالتزام بالشريعة الإسلامية ، ووجوب البيان مع وجوب صرف ما نتج عنهما ، وكيفية بيان الأخطاء وسبله ، والتوازن بين السرية والاعلان ، وغير ذلك .
 والله أسأل أن يكسو عملي هذا ثوب الإخلاص ، ويلبسه حلة القبول ، وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعقيدة والعمل ، إنه حسبي ومولاي فنعم المولى ونعم النصير .
                                                                 كتبه الفقير إلى ربه
                                                                                                                                                     علي بن محيى الدين القره داغي
 رجب 1424هـ الدوحة

التمهيد في التعريفات :
 أرى من الأفضل أن نبدأ بتعريف العنوان ، ثم تأصيل حكم الخطأ والمخالفة لننطلق إلى الموضوع بوضوح الرؤية :
تعريف هيئة الرقابة الشرعية :
 عرفها معيار المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (4) بقوله : (هي جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات ، ويجوز أن يكون أحد الأعضاء من غير الفقهاء على أن يكون من المتخصصين في مجال المؤسسات المالية الإسلامية وله إلمام بفقه المعاملات ، ويعهد لهيئة الرقابة الشرعية توجيه نشاطات المؤسسة ومراقبتها والإشراف عليها للتأكد من التزامها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ، وقراراتها ملزمة للمؤسسة) .
 وأوضحت المادة (7)  من المعيار نفسه كيفية تكوينها حيث نصت على أنه : (يجب أن تتكون هيئة الرقابة الشرعية من أعضاء لا يقل عددهم عن ثلاثة ، ولهيئة الرقابة الشرعية الاستعانة بمختصين في إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو القانون أو المحاسبة وغيرهم ، ويجب أن لا تضم هيئة الرقابة الشرعية في عضويتها مديرين من المؤسسة وألاّ تضم مساهمين ذوي تأثير فعال) .
تعريف الأخطاء الشرعية :
الأخطاء لغة جمع خطأ ، وهو ضد العمد ، وجاء في لسان العرب الخطأ ضد الصواب[6] .
وفي الاصطلاح عرفه صاحب التلويح بأنه : فعل يصدر من الإنسان بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه[7] وعرفه ابن الهمام بقوله : (هو أن يقصد بالفعل غير المحل الذي يقصد به الجناية ، كالمضمضة تسري إلى حلق الصائم ، فإن المحل الذي يقصد به الجناية على الصوم إنما هو الحلق ، ولم يقصد بالمضمضة ، بل قصد بها الفم ، وكالرمي إلى صيد فأصاب آدمياً ...)[8] .
 والخطأ غير الغلط ، حيث إن متعلق الخطأ الجنان ، ومتعلق الغلط اللسان ، كما قال الدردير[9] وقال أبو هلال العسكري : إن الغلط هو وضع الشيء في غير موضعه ، ويجوز أن يكون صواباً في نفسه ، والخطأ لا يكون صواباً على وجه[10] .
 ولم يفرق جمهور الفقهاء بينهما حيث عرفوا الغلط بأنه كل شيء يعيا الإنسان عن جهة صوابه من غير تعمد ، وهذا هو معنى الخطأ بعينه ، أو أنه تصور الشيء على خلاف ما هو عليه[11] .
 ومما يتعلق بالخطأ ، السهو والنسيان والغفلة والذهول حيث هي أسباب تؤدي إلى الخطأ ، وأن الخطأ ينتج منها [12].
تعريف المخالفات الشرعية :
 المخالفات جمع مخالفة ، وهي مصدر يخالف مخالفة وخلافاً ، فيقال : خالف الشيء : ضادّه ، وخالف أمره ، أي لم يطعه ، والخلاف أعم من الضد ، لأن كل ضدين مختلفان ، وليس بالعكس[13] .
 ويظهر مما سبق أن الأخطاء الشرعية ، والمخالفات الشرعية تتفقان في وقوع أمر محظور شرعاً ارتكبه الفاعل ، ولكن الفاعل في حالة الخطأ كان غير متعمد وغير قاصد ، بل كانت جهلاً أو سهواً ، في حين أن الفاعل في حالة المخالفة كان عامداً وقاصداً ، ولذلك يكون حكم المخالفة في الشرع مختلفاً عن حكم الخطأ من حيث الحل والحرمة ، ومن حيث الآثار والنتائج . 

حكم الخطأ ، والمخالفة بإيجاز : 
يكاد العلماء يتفقون على أن الخطأ عذر في سقوط بعض حقوق الله تعالى ، وبالأخص الإثم عن المخطئ كما هو الحال في حالة الاجتهاد ، وغيره ، استدلالاً بقوله r: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه)[14] أي رفع إثمه وقوله r : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)[15] بل تدل عليه آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به )[16] .
 وقد ادعى القرطبي الإجماع على ذلك حيث قال : (وهذا ـ أي الخطأ ـ لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع ، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام ، هل ذلك مرفوع ، ولا يلزم منه شيء ، أو يلزم أحكام ذلك كله ؟ اختلف فيه ، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع ، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات ، والصلوات المفروضات ، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر ، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنث ساهياً ، وما كان مثله مما يقع خطأً أو نسياناً)[17] .
 وأما الحكم الوضعي (الخاص بالآثار والنتائج وضمان المتلفات والديات وكل ما يتعلق بحقوق العباد ) فلا يسقط بحال ، لأنها تبنى على الأسباب ونحوها مما يدخل في خطاب الوضع ، قال الزركشي : (المراد من قوله r : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان...)[18] أما في الحكم فإن حقوق الآدميين ، العامد والمخطئ فيها سواء ، وكذلك بعض حقوق الله تعالى كقتل الصيد[19] .
 ولذلك ذهب الفقهاء[20] إلى أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء من حيث ضمان المتلفات والديات ، تطبيقاً للحديث الصحيح الذي يمثل قاعدة عامة في الشريعة القاضي بأنه : (لا ضرر ولا ضرار)[21] ، فيه علم المكلف وقدرته (على عكس خطاب التكليف) يقول الآمدي : (وما يجب عليه ـ أي الغافل الذي لا يفهم الخطاب ـ من الغرامات والضمانات بفعله ...فمن باب ما ثبت بخطاب الوضع)[22] .
 ومن هنا علم أنه ليس المقصود بالحديث السابق (وضع أمتي) أو (رفع ...) الرفع الكلي لجميع الأحكام ، بل المراد رفع الإثم ، فقد نقل الخلال عن أحمد أنه قال : (من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله r فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الدية والكفارة ، يعني من زعم ارتفاعهما على العموم في خطاب الوضع والتكليف)[23] .
 وأما حكم المخالفة الشرعية فهو أن المخالف يطبق عليه أحكام خطاب التكليف من الحرمة إن كان العمل المخالف فيه حراماً ، أو الكراهة إن كان مكروهاً ، لأن المخالفة ـ كما سبق ـ عمل عمدي تترتب عليه الأحكام التكليفية ـ من حيث المبدأ ـ وكذلك يطبق عليه أحكام خطاب الوضع من الضمان والتعويض ونحوه .
التطبيق العملي لما سبق للمؤسسات المالية الإسلامية :
 إن عدم تطبيق الأحكام الشرعية المطلوبة جزماً (أي الإيجاب والتحريم) إن كان خطأ فالموظف المسؤول عنه غير آثم ، ولكن ليس لخطئه تأثير في مسألة الصحة والبطلان والضمانات والتعويضات ، وكذلك في الحكم بما نتج عنه من الأرباح بصرفها في صالح العام دون أن تكون ضمن إيرادات المؤسسة .
 حكم الخطأ في ذلك حكم المخالفة العمدية من حيث النتائج والآثار العملية والتعويضات ووجوب التخلص من الناتج من الريع في وجوه الخير (ما عدا مسألة الإثم) فلو أن موظفاً عقد عقداً باطلاً أو فاسداً[24] فإن هذا العقد لا يؤثر في حكمه كونه قد فعل هذا خطأً او جهلاً أو سهواً ، أو عمداً حيث يحكم عليه بعدم صحة ذلك العقد ، ولو ترتب على ذلك العقد أن المؤسسة حققت بعض الأرباح فإن هذه الأرباح الناتجة عن عقد باطل أو فاسد لا يطيب عند الفقهاء[25] حيث يجب صرفها في وجوه الخير .
 ولو أن الإدارة لم تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في العقود والأحكام والشروط والضوابط الشرعية فإن ما يترتب على ذلك لا يعتبر صحيحاً من الناحية الشرعية حتى ولو كان ذلك بسبب الخطأ او الجهل أو السهو ، وكذلك لو نتج عن ذلك الفعل إضرار بالآخرين فإنه يترتب عليه الضمان والتعويضات .

واجب الهيئة الشرعية في بيان الأخطاء والمخالفات الشرعية :
 فلا شك أن من واجبات الهيئة الشرعية ومهامها أن تقوم ببيان الأحكام ، والنظر في القيود والآليات ، بل وصياغتها ، او تعديلها ، وبيان الشروط والضوابط المطلوبة شرعاً في العقود والتصرفات ، وان تقوم بمراقبة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية من خلال التدقيق الشرعي الداخلي ، ومنع وقوع الأخطاء الشرعية والمخالفات الشرعية بكل الوسائل المتاحة ، والعمل على تصحيح الأخطاء إن وقعت.
 وتدل على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتغيير المنكر بكل الوسائل المتاحة من التغيير بالقوة ، وباللسان ، وبالقلب ، وأن الغرض الأساسي من النصح والفتوى هو التنفيذ ، حيث يقول ابن القيم : (إنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له)[26] وبقول : (المفتي محتاج إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ)[27] .
 وإضافة إلى الواجب الديني الملقى على عاتق الهيئة كما قلنا ، فإن هذا الواجب يؤكده العقد التأسيسي ، والنظام الأساسي ، حيث كان من مهام الرقابة الشرعية إبداء الرأي من الناحية الشرعية وتقديم المشورة إلى الإدارة ، وتقديمها تقارير خاصة بذلك إلى الجمعية العمومية للمساهمين .
 وقد نصت المادة (20) من معيار المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (4) على أنه: ( يجب على هيئة الرقابة الشرعية أن تبين في تقريرها إذا كانت عقود المؤسسة والوثائق المتعلقة بها تتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية .
ويكون إيضاح هذه الأمور في فقرة الرأي على النحو التالي :
أ. ان العقود والعمليات والمعاملات التي أبرمتها المؤسسة خلال السنة المنتهية ...التي اطلعنا عليها تمت وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية .
ب. أن توزيع الأرباح وتحميل الخسارة على حسابات الاستثمار يتفق مع الأساس الذي تم اعتماده من قبلنا وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية (وتشمل فقرة الرأي على العبارات التالي حيث يكون ذلك مناسباً)
ج. أن جميع المكاسب التي تحققت من مصادر أو بطرق تحرمها أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية قد تم صرفها في أغراض خيرية.
د. أن احتساب الزكاة تم وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية .
ونصت المادة (21) من المعيار المذكور على أنه ( إذا تبين أنه قد و قع من إدارة المؤسسة مخالفة لأحكام أو مبادئ الشريعة الإسلامية أو الفتاوى او القرارات أو الإرشادات التي أصدرتها هيئة الرقابة الشرعية للمؤسسة فيجب عليها بيان ذلك في فقرة الرأي من تقريرها ) .

مسؤولية الالتزام بالشريعة الإسلامية :
 فقد نصت المادة (15) من معيار المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (4) على أنه (تقع مسؤولية التأكد من أن المؤسسة تعمل وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية على الإدارة) وأن مسؤولية هيئة الرقابة الشرعية ( تنحصر من إبداء رأي مستقل بناء على مراقبتها لعمليات المؤسسة وفي إعداد تقرير للجمعية العمومية .
 وهذا ما قرره العقد  التأسيسي والنظام الأساسي لمعظم البنوك الإسلامية والشركات والمؤسسات المالية الإسلامية ، الذي ينص على التزام الإدارة بأحكام الشريعة الإسلامية ، كما أن المادة(3) من القانون المصري رقم (28) لسنة 1977 الخاص بإنشاء بنك فيصل الإسلامي المصري نصت على أنه (تخضع جميع معاملات البنك وأنشطته لما تفرضه الأحكام والقواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية) وبمثل ذلك نصت المادة (4) من قانون بنك فيصل الإسلامي السوداني ، وكذلك نص معيار الضبط للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (1) الخاص بهيئة الرقابة الشرعية في المادة (14) التي نصت على أنه : (يجب أن يشمل التقرير ـ أي تقرير هيئة الرقابة الشرعية ـ على بيان واضح يفيد أن إدارة المؤسسة مسؤولة عن الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية بصورة صحيحة) وأكده معيار رقم (2) في فقرة (5) التي نصت على أنه (مع مراعاة أن الرقابة الشرعية على المؤسسة لا تعفي الإدارة من تنفيذ جميع المعاملات طبقاً للشريعة)[28] . 
وجوب البيان مع وجوب الصرف :
 وبناءً على ذلك يجب على الهيئة الشرعية بيان الأخطاء والمخالفات الشرعية ، بل أكثر من ذلك عليها أن تحكم بالتخلص من الفوائد التي تحققت بسبب هذه الأخطاء والمخالفات الشرعية التي أدت إلى بطلان العقد لصرفها في وجوه الخير ، وهذا ما نصت عليه الفقرة (ج) من المادة (20) السابقة .
 وبما أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الإدارة فإن هيئة الرقابة الشرعية تقع على كاهلها مسؤولية البيان والرقابة والإفصاح عما جرى في المؤسسة ، وإيصال هذه المعلومات إلى مجلس الإدارة أولاً ، ثم إلى الجمعية العمومية للمساهمين ، وذلك لتبرأة الذمة وبيان الحق ، ومحاولة تصحيح الأخطاء ، وليكون ذلك رادعاً للإدارة حتى لا تقع في المخالفة ، حيث تعلم أن أخطاءها لن يسكت عليها ، بل تعرض على مجلس الإدارة أولاً فإن قام بواجب التصحيح كما ينبغي فإن الغرض المنشود قد تحقق ، وإلاّ فتعرضها الهيئة على الجمعية العمومية لتقوم بواجبها ، وإن لم تقل شيئاً فعلى الهيئة أن تبين هذه الأخطاء للناس المتعاملين مع المؤسسة المالية الإسلامية بكل الوسائل المتاحة ، لأن الناس قد وثقوا بها من الناحية الشرعية من خلال وجود هيئة الرقابة الشرعية ، ومن جانب آخر فإن التزام المؤسسة بالشريعة في العقد والنظام التأسيسي ، ثم عدم قيامها بتنفيذ لك ، او تعمد المخالفة يعتبر ذلك جريمة مزدوجة فهي جريمة باعتبارها مخالفة لشريعة الله ، كما أنها جريمة باعتبارها غشاً وتدليساً على الناس ، إذ أظهرت أمام  المتعاملين أنها ملتزمة بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية مع أنها لا تلتزم ، لذلك يجب على الهيئة ببيان ذلك حسب التدرج المطلوب .
كيفية بيان الأخطاء وسبله :
 من أهم وسائل بيان الأخطاء كتابة تقارير خاصة بالأخطاء والمخالفات الشرعية التي اكتشفت من خلال التدقيق الشرعي الداخلي ، او نحوه ، وهذه التقارير كلما صيغت بدقة وإتقان كلما كانت مبينة وموضحة لتلك الأخطاء والمسؤولين عنها ، وكيفية علاجها ، وكيفية علاج آثارها ، ولذلك تكون هذه التقارير دقيقة لا بدّ أن يتوافر فيها ما يأتي :
أ. اسم المدقق والذين ساهموا معه مع بيان وضعهم الوظيفي .
ب. موقع التدقيق .
ج. الإدارة المسؤولة عن العمل ، واسم المدير المسؤول ، والموظف المسؤول ، وكذلك المتعاونون معه .
د. الأسس والمبادئ والمعايير الشرعية التي اعتمد عليها التدقيق في الحكم على العمل بأنه خطأ او مخالفة شرعية .
هـ. نوع العمل الذي وقع فيه الخطأ أو المخالفة هل هو عقد أم أمر تنفيذي  .
و. الآثار الشرعية التي تترتب على الخطأ أو المخالفة هل هي البطلان أو الفساد ، او غير ذلك؟ .
ز. صياغة التقرير صياغة جيدة متقنة واضحة مبينة قائمة على النقاط الواضحة .
ح. المقترحات والتوصيات من المدقق الشرعي الداخلي ومعاونيه .
ط. المرفقات والمستندات .
ك. ثم عرض التقرير على المراقب الشرعي أو العضو التنفيذي للهيئة ، أو هيئة الرقابة الشرعية لإبداء ملاحظاته ، أو اعتماده . 
 ثم يقوم المراقب ، أو العضو التنفيذي ، او رئيس الهيئة بعرض الموضوع بعد اعتماده على الجهة المسؤولة في المصرف ، ويكون الكتاب الذي يقدم معه إليها التقرير واضحاً في بيان الخطأ ، أو المخالفة ، وحكمه ، وآثاره ، وما يجب على المصرف أن يعمله في سبيل تنفيذ ما يطلبه التقرير .
 ثم إذا لم تستجب الإدارة المتخصصة بإصلاح الخطأ وتنفيذ ما يطلبه التقرير فإن الهيئة الشرعية ترفع هذا الأمر إلى إدارة المصرف بحيث إذا لم تستجب هي أيضاً فعليها أن ترفعه إلى الجمعية العمومية ، وإذا هي لم تستجب أيضاً فعليها أن توضح ذلك للجماهير المتعاملين مع المؤسسة بكل الوسائل المتاحة .
إلزامية قرارات الهيئة الشرعية :
 تكتسب قرارات الهيئة الشرعية فيما يخص الجانب الشرعي إلزاميتها من إلزامية أحكام الشريعة لكل المسلمين التي لا خلاف فيها ، حيث يجب على كل مسلم أن يلتزم ، وينفذ ما فرضه الله تعالى وأوجبه عليه ، وينتهي إلزامياً بما نهى الله عنه ، وهذا مما علم في الدين بالضرورة .
 كما تكتسب هذه القرارات إلزاميتها من التزام المؤسسة المالية الإسلامية بقرارات الهيئة في عقدها التأسيسي ونظامها الأساسي وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود في أكثر من آية حيث قال الله تعالى (يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود)[29] .
 وكذلك يأتي الالتزام والإلزام من خلال الأنظمة الرقابية في الدولة التي تفرض على المؤسسة المالية الإسلامية الالتزام بقرارات الهيئة الشرعية للتحقيق من مصداقيتها أمام الجمهور والقانون .
 بل إن بعض المشروعات القانونية فرضت جزاءات وعقوبات في حالة الإخلال بالالتزام بأحكام الشريعة الغراء ، فقد نص مشروع القانون المقدم من البنك المركزي الكويتي في مادته 92ج ، وكذلك المشروع المقدم من اللجنة الاستشارية العليا بشأن المصارف والشركات الاستثمارية والمالية الخاضعة لأحكام الشريعة[30] . 
قدرة الهيئة الشرعية على التنفيذ :
 قام الدكتور فارس أبو معمر باستبيان بين أعضاء الرقابة الشرعية وإدارة البنك حول قدرة الرقابة الشرعية وقوتها على التنفيذ ، فكانت النتيجة أن نسبة 97.6% منهم تقول بأن لهيئة الرقابة الشرعية القدرة على وقف ، أو إلغاء أي نشاط للبنك في حالة اعتقادهم بعدم مطابقته للشريعة الإسلامية [31].
 ومن خلال تجاربنا ومعلوماتنا يتبين لنا أن هيئات الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية تتمتع بقدرات وقوة تمكنها من تحقيق أهدافها للتأكد من أن المؤسسة تسير وفق أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها ، أو على الأقل عدم معارضة أعمال المؤسسة وعقودها مع أحكام الشريعة الإسلامية .
 ولكن هذه القدرة والقوة ليست على مستوى واحد في المؤسسات المالية الإسلامية الإسلامية ، فهي مرتبطة سلباً وإيجاباً وقوة وضعفاً مع استقلالية الهيئة ، وشخصية أعضائها ، ومدى توافر الالتزام الذاتي لإدارة البنك ، فإذا كانت أنظمة البنك ولوائحه قد أعطت الاستقلالية للهيئة وكان أعضاء مجلس الإدارة ملتزمين وورعين ، وأعضاء الهيئة الشرعية أيضاً أقوياء علمياً وشخصياً فإن التزام البنك بأحكام الشريعة الإسلامية قد يصل إلى أقصى درجة ، ثم يتدرج الالتزام نزولاً حسب أي ضعف في الأمور الثلاثة ، والخلاصة أن العلاقة طردية وعكسية بين هذه الأمور السابقة .
 فقد عملت إحصائيات دقيقة تبين أن استقلالية الهيئة الشرعية تؤدي إلى أن تكون نسبة الحلال في معاملات البنك حلالاً بنسبة 100% [32].

ظهور المخالفات أو الأخطاء الشرعية :
تظهر المخالفات والأخطاء الشرعية من خلال أمرين :
الأمر الأول : العقود والآليات الاستثمارية التي تعرض على هيئة الرقابة الشرعية.
الأمر الثاني : من خلال التدقيق الشرعي الداخلي الذي يعتبر العمود الفقري للهيئة الشرعية التي تريد ضبط المؤسسة المالية الإسلامية وإلزامها بأحكام الشريعة الإسلامية ، وهذا التدقيق إنما ينجح إذا اعتمد على من لهم خبرة شرعية ورقابية أي اختيار العناصر الكفوءة القادرة على أداء الواجب والمتزودة بزاد الثقافة الشرعية والرقابية ، وبالأخص في مجال المعاملات المالية الإسلامية .
 والتدقيق الشرعي يصل إلى إظهار الخطأ أو المخالفة الشرعية في أعمال البنك أو المؤسسة المالية الإسلامية من خلال ما يأتي :
أ. من واقع الأوراق المالية والمستندات ، والوثائق الدالة على كيفية التنفيذ ، وملاحق العقود الخاصة بالخطوات العملية الشرعية لتنفيذ العقود والمعاملات .
ب. ومن سؤال موظفي البنك ومتابعتهم ومناقشتهم لكيفية التنفيذ .
 ومن الضروري في التدقيق الشرعي عدم الاكتفاء بالفقرة الأخيرة ، وذلك لأن الموظفين مهما كانوا فهم في ظل هيمنة وسيطرة الإدارة العليا للمؤسسة وبالتالي قد لا تتوافر لديهم الحرية الكافية للتعبير ، إضافة إلى أن معلوماتهم الشرعية لدى أكثرهم ليست كبيرة ، ولذلك أرى من الضروري الاعتماد على الفقرة الأولى أولاً ثم الاعتماد على الثانية ثانياً.
ج. من خلال الميزانية السنوية ، وكذلك الميزانية (الربع سنوية) وقيام الهيئة الشرعية بتدقيقها تدقيقاً دقيقاً ، والوقوف عند كل جزئية مؤثرة بالسؤال عنها للوصول إلى المطلوب وبالأخص في مجالات الميزانية العمومية ، وتدقيق الأموال ، وحساب الأرباح والخسائر ، وحساب الاستثمار والجاري والتوفير ، وأسس التوزيع ، وكيفية الاحتساب ونحو ذلك .
 وهناك مشاكل تعترض طريق التدقيق الشرعي الداخلي يمكن أن تكون حجر عثرة تحول دون إتمام مهمة التدقيق على وجهه الأكمل وهي :
1. أن موظفي التدقيق الشرعي الداخلي موظفون تحت الإدارة العليا للمؤسسة المالية ، وبالتالي يبقى عنصر الخوف يشكل عقبة لدى البعض في التعبير عما يريد أو يعمل .
 ولذلك فالحل لهذه المشكلة هو ربط موظفي التدقيق الشرعي الداخلي بالهيئة الشرعية ، ويكون تحديد الرواتب والترقيات بأيدي الهيئة وليست بأيدي الإدارة .
2. أن موظفي البنك الذين تحدثنا عنهم في الفقرة (ب) السابقة أيضاً قد يحول الخوف لدى بعضهم دون الإفصاح الكافي عن المطلوب ، ولكن هذه المشكلة يمكن حلها ، أو التخفيف من غلواتها من خلال اعتماد التدقيق الشرعي على الفقرة (أ) واختيار الأعضاء المزودين بالمهارات المناسبة .
3. سرية المعاملات أو بعضها التي تحول دون إعطاء التفاصيل العملية والخطوات التنفيذية للتدقيق الشرعي الداخلي .
4. قلة العلم أو الخبرة في نطاق نظم المعلومات المتبعة ، وقلة المهارات الحسابية والرقابية والشرعية لدى موظفي التدقيق الشرعي الداخلي ، إذ أن هذه المهمة تحتاج إلى عنصرين أساسين هما : العلم الشرعي الخاص بأحكام المعاملات المالية المعاصرة ، والعلم الخاص بالرقابة والتدقيق الداخلي وبما أننا ـ مع الأسف الشديد ـ ليس لدينا هذا التخصص المزدوج فإننا نحتاج إلى إعطاء دورات مكثفة في العنصرين السابقين ، والتركيز على الجانب الذي لم يتعمق فيه ، فالمدقق إن كان شرعياً يحتاج إلى دورات مكثفة في التدقيق الداخلي ، وكذلك العكس .
5. عدم فهم الإدارة والموظفين لدور الهيئة الشرعية وسلطتها ، حيث يظن الأكثرون أن دورها ينحصر في إصدار الفتاوى ، والحكم على ما يعرض عليه في العقود ، دون التطرق إلى الرقابة والتدقيق والتفتيش .
 وهذا الفهم الخاطئ يحدث مشاكل كبيرة للتدقيق الشرعي مع الموظفين ، ولذلك ينبغي للهيئة الشرعية وضع برامج لتطوير الوعي الشرعي ، وفهم دور الهيئة في الرقابة والتدقيق الداخلي .
التوازن بين السرية والإعلان عن الخطاء والمخالفات الشرعية :
 حينما تكون دائرة الإعلان عن الخطاء والمخالفات الشرعية محصورة بين جدرانيّ المؤسسة المالية الإسلامية فإن السرية لم تخترق ، ولم يكشف عن ستارها ما دام اتبع التدرج الآتي :
1. أن تبدأ الهيئة الشرعية بإخبار الفرع الخاص ، أو الدائرة الخاصة التي وقع فيها الخطأ ، بحيث إن عولجت الأخطاء والمخالفات ، فلا ترفع التقرير إلى جهة أعلى .
2. وإذا لم تعالج في داخل الفرع أو الدائرة الخاصة ، فإن الهيئة ترفع تقريره المتضمن بيان الأخطاء والمخالفات الشرعية (حسب التفصيل السابق) إلى المدير العام ، ثم إلى رئيس مجلس الإدارة ، أو العضو المنتدب ، ثم إلى مجلس الإدارة بجميع أعضائه .
3. وإذا لم تعالج داخل الإدارة العليا فإن على الهيئة الشرعية أن ترفع تقريرها إلى الجمعية العمومية ، وذلك من خلال مطالبتها بعقد جلسة طارئة لها تعرض فيها التقرير المعد بذلك .
4. وإذا لم يتم العلاج في الفقرة السابقة سواء كان ذلك بسبب عدم انعقاد الجمعية العمومية ، أو إهمالها لتقرير الهيئة ، فإن الهيئة ملزمة شرعاً بإعلام المتعاملين مع المؤسسة المالية بهذه المخالفات لما سبق ذكره .
 وعلى ضوء ذلك تظل السرية محافظاً عليها ما دام التقرير في ظل الفقرتين (أ) و (ب) وفيما عدا ذلك تطبق عليه قاعدة الموازنات بين المصالح والمفاسد ،و تحمل الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد ، وقاعدة التوفيق ما دام التوافق ممكناً ، أو قاعدة الترجيح إذا لم يكن التوفيق ممكناً وعلى ضوء ذلك تشترط الضوابط الآتية :
1. أن تحرص الهيئة على عدم نشر أسرار البنك بكل الوسائل المتاحة ، وأن لا يتضمن تقريرها الجوانب العملية والخطط والاستراتيجية للمؤسسة المالية الإسلامية إلاّ بقدر ما يوضح المخالفة ، او الخطأ الوارد في التطبيق ، أي يركز التقرير على بيان الخطأ ، أو المخالفة فقط بقدر الإمكان .
2. أن تحافظ الهيئة على التقرير ، فلا تعطيه إلاّ لجهة الاختصاص وأصحاب القرار حسب التدرج السابق ، فالمعلومات يجب أن تعطى ـ في مجال المال ـ بقدر الحاجة وليست بقدر الثقة .
3. أن لا ترفع الهيئة التقرير إلى جهة عليا أو الجمعية العمومية او المتعاملين إلاّ بعد استنفاد كافة الطرق لإصلاح الخطأ او المخالفة الشرعية ، وآثاره ، وعدم تحقيق الغرض المنشود من التقرير .
4. أن تبذل الهيئة بواسطتها وبغيرها كل جهودها لإصلاح الخلل داخلياً ، وعند اليأس الكامل تلجأ إلى إعلان الخطأ أو المخالفة على الخارج ، أو الملأ المتعاملين مع البنك .
 والدليل على ذلك كله هو أن كشف أسرار المؤسسة المالية الإسلامية من حيث هو غير جائز ، لأنه يؤدي إلى فضح المؤسسة التي هي شخصية معنوية لها ما للشخصية الحقيقية من حقوق ، كما أن نتيجة ذلك تؤدي إلى الإضرار بالمؤسسين والمساهمين ، ومجلس الإدارة ، وهو غير جائز لقول الرسول r : (لا ضرر ولا ضرار)[33] وهو قاعدة عامة ، ومبدأ عظيم من المبادئ الإسلامية الرائدة[34] .
 وبالمقابل فإن إصلاح الخلل (الخطأ والمخالفة) واجب من باب الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن باب كشف الغش والحيل مما ذكرناه سابقاً .
 فأمام هذين الأمرين يجب على الهيئة أن تسعى في البداية إلى التوفيق والجمع بين الأمرين ، أي الإصلاح دون كشف الأسرار ، وتنفيذ ما التزمت به المؤسسة دون الوصول إلى المواجهة ما دام ذلك ممكناً ، فإذا لم يمكن ذلك يقدم الإصلاح على السكوت لما ذكرناه من الواجب الشرعي في التغيير ، والالتزام الذي التزمت به المؤسسة نفسها ، وحتى لا يغتر المتعاملون معها أنها ملتزمة بأحكام الشريعة وهي قد تخلفت عن ذلك .
 ومن جانب آخر فإن واجب الهيئة في الكشف عن المخالفات والأخطاء ليس واجباً عاماً مفروضاً عليه بحكم الحسبة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب كما هو الحال بالنسبة للجميع ، وإنما واجب فرضت عليه اللوائح والأنظمة الخاصة بالمؤسسات المالية الإسلامية ، والتزمت الهيئة بقيام هذا الواجب الذي من ضمنه بيان الحق حتى يكون المتعاملون على بينة من الأمر في أمر تلك المؤسسة ، كما أنها وكيلة عن المساهمين في تطبيق الجانب الشرعي كما أن مجلس الإدارة وكيل في الجانب الإداري والتنفيذي ، والوكيل مؤتمن فيما أؤتمن عليه فيجب الإفصاح والبيان .
 ثم إن آثار فضح المؤسسة في الحالة التي ذكرناها تقع على عاتق الإدارة التي لم تستجب لأمر الشرع ، ولا لالتزامها أمام المساهمين والمتعاملين من خلال العقد التأسيسي والنظام الأساسي للمؤسسة نفسها ، ومثلها في ذلك مثل من يرتكب منكراً لا يحرص على ستر نفسه وحينئذٍ يتعرض لحكم القضاء كما هو الحال في الحدود والقصاص ونحو ذلك .
 ولا يقال هنا : إن الستر أفضل لوجود الأدلة الدالة على ذلك مثل قوله r : (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)[35] وذلك لأن ذلك الستر في حقوق الله تعالى ، أما ما يخص حقوق الناس فيجب على الشاهد أن لا يكتم الشهادة وإلاّ أصبح آثماً لقوله تعالى: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)[36] .
 قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : (أي رآه على قبيح فلم يظهره أي للناس ، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه ، ويحمل الأمر في جواز الشهادة عليه بذلك على ما إذا أنكر عليه ونصحه فلم ينته عن قبيح فعله ، ثم جاهر به ، كما أنه مأمور بأن يستتر إذا وقع منه شيء..والذي يظهر أن الستر محله في معصية قد انقضت ، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها فيجب الإنكار عليه ، وإلاّ رفعه إلى الحاكم ، وليس من الغيبة المحرمة ، بل من النصيحة الواجبة)[37] .
هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الهوامش

([1]) سورة البقرة /  الآية (172)
([2]) سورة البقرة / الآية (267)
([3]) سورة نوح (1- 12)
([4]) رواه الترمذي في سننه ، باب الوتر (1/304)
([5]) أ.د. يوسف القرضاوي : تفعيل آليات الرقابة على العمل المصرفي ، بحث مقدم إلى ندوة البركة (19)
([6]) وجاء بمعنى الذنب أيضاً ، فيقال : خطئ خطاً وخطئاً أي أذنب ، او تعمد الذنب ، والخطأ بالكسر هو الإثم ، وفي القرآن الكريم في سورة يوسف : (...يا أبت استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) ويقال : خطئ السهم الهدف : لم يصبه ، يراجع : لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط مادة (خطئ)
([7]) التلويح (2/195)
([8]) تيسير التحرير (2/305)
([9]) شرح الدردير (2/142)
([10]) الفروق اللغوية ص 41
([11]) حاشية العدوي على القرشي (7/122) وحاشية ابن عابدين (7/422) ، والموسوعة الفقهية الكويتية (19/129)
([12]) يراجع : جمع الجوامع (1/68- 69) وحاشية الجمل (1/446) وحاشية ابن عابدين (2/77،6/147) والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص 153
([13]) يراجع : لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمصباح المنير ، والمعجم الوسيط مادة (خلف)
([14]) رواه الحاكم وصححه ،و وافقه الذهبي (2/198) وابن ماجه (1/659)
([15]) رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ (13/318)
([16]) سورة الأحزاب / الآية (5)
([17]) تفسير القرطبي المسمى : الجامع لأحكام القرآن (3/431- 432) ، وفتح البيان في مقاصد القرآن ، ط. دولة قطر (2/164)
([18]) المنثور في القواعد (2/122- 123)
([19]) بهذا اللفظ رواه الطبراني بسند ضعيف ، انظر فيض القدير (4/34)
([20]) يراجع : البهجة شرح التحفة (2/286) والمنثور في القواعد (2/122) والذخيرة للقرافي (1/65) وفتح الباري (13/356)
([21]) رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن ، وله عدة طرق ، وصححه الحاكم في المستدرك (2/57- 58) ووافقه الذهبي ، وقطع مالك في الموطأ (2/805) بنسبته إلى رسول الله r فقال : (وقد قال رسول الله r (لا ضرر ولا ضرار) وصححه الألباني في الاوراء (3/408- 414) 
([22]) الإحكام في أصول الأحكام (1/115)
([23]) كشف الخفاء ومزيل الالباس (1/522- 523)
([24]) الباطل والفاسد عند جمهور الفقهاء هو ما وجد فيه خلل في الركن أو الشرط ، او في كليهما معاً ، وعند الحنفية : الباطل ما كان الخلل في الركن ، والفاسد ما كان الخلل في الشرط ، يراجع لتفصيل ذلك : د. علي القره داغي : مبدأ الرضا في العقود ، ط. دار البشائر (1/155- 183) ومصادره المعتمدة .
([25]) يراجع في ذلك  : المرجع السابق (1/162)
([26]) إعلام الموقعين (4/204)
([27]) المصدر السابق (4/119)
([28]) يراجع : د.عبد الستار أبو غدة : الهيئات الشرعية ، تأسيسها ، أهدافها ، واقعها ، بحث مقدم إلى المؤتمر الأول للهيئات الشرعية عام 2001 ص 3 وما بعدها
([29]) سورة المائدة / الآية (1)
([30]) يراجع : د.عبد الحميد البعلي ، استقلالية أعضاء الهيئات الشرعية ، بحث مقدم إلى المؤتمر الثاني للهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية ص 31
([31]) د.أبو معمر : أثر الرقابة الشرعية واستقلاليتها على معاملات البنك الإسلامي ص 19 عام 1994
([32]) د. أبو معمر : بحثه السابق ص 21
([33]) سبق تخريجه
([34]) انظر : الأشباه والنظائر للسيوطي
([35]) رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، يراجع : صحيح البخاري مع فتح الباري (5/97)
([36]) سورة البقرة / الآية (283)
([37]) فتح الباري (5/97)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق