‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاماة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاماة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

استقلال مهنة المحاماة

استقلال مهنة المحاماة

مقدمة:
ترتبط المحاماة بالحياة القانونية، كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع، ويقع على المحامي واجب خماسي الأبعاد: واجبه نحو موكله، وواجبه نحو خصمه، وواجبه نحو المحكمة، وواجبه تجاه نفسه، وواجبه تجاه النظام القانوني في الدولة.ولكن الواجب الأعلى والأسمى الذي يقع على المحامي هو واجبه وولاؤه للعدل وأداء العدل. إنه من الخطأ أن نعتبر المحامي لسان موكله، والناطق باسمه فقط، يقول ما يريد ، وإنه أداته لما يرشده إليه، إن المحامي ليس كذلك، وإنما هو مدين بالولاء والإخلاص للقضية الأهم وهي قضية العدالة.

والمحاماة وهي من الحماية، تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل، فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل، فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محام، وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وتأكيد سيادة القانون.

والإنسان في صراعه من أجل الحياة وبنضاله المستمر في درء الأخطار عن حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية، والمحاماة وجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان: حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه، وحماية حقوق الأفراد وحقوق الأمة، والحياة لا تستقيم بدون حماية، ودون حماية المحاماة.

والناس -أكثر من أي وقت مضى- يتطلعون إلى القانون لحماية وتعزيز الحقوق الفردية والجماعية وحل مشكلات الأفراد والجماعات، والحكومات -أكثر من أي وقت مضى- تعتمد بصورة متزايدة على القانون في تنظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولأنه بتعاظم دور القانون؛ يجب أن يزداد ويتعاظم دور المحامين ودور نقابة المحامين، ويجب أن يكون المحامون قادرين على إيصال العدالة للجميع عن طريق السعي لتحسين النظم القانونية، وتحسين المهارات المهنية التي تمكن المحامي من تقريب العدالة للناس، وعرض قضاياهم على القضاء وتعزيز فهم الجمهور لدور القانون في المجتمع.

والفهم السليم للمحاماة يضعها في مكانها كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل بإدراك الترابط العضوي بينها وبين القضاء، وبإدراك أن المحامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المحكمة.
أ‌. فالمحكمة لا تنعقد أساساً إلا بوجود المحامي.
ب‌. ومهمة المحامي التعامل مع القاعدة القانونية: كيف تفسر، وكيف تطبق، وتلك هي أيضاً مهمة القاضي.
ت‌. والقرار القضائي السليم، هو الذي يتوصل إليه بعد حوار أفكار بين طرفين مهمتها إجادة الحوار.
ث‌. والقاضي يعطي حكمه ويعتمد في قراره على حقائق القضية التي قدمها المحامون الذين حضروا أمامه والذين قدموا الأدلة والمراجع ذات الصلة بالقضية.

وسنبرز ماهية ومشتملات مبدأ استقلال المحاماة تحت العناوين التالية:
• مفهوم استــقلال المحامــاة.
• مقتضيات استقلال مهنة المحاماة.
• مظاهر استـقلال مهنة المحاماة.
• معـيقات استقلال مهنة المحاماة.
وسنتناول كلاً من هذه الموضوعات، من حيث المضمون النظري مشيرين إلى موقف القوانين العربية الأخرى والإعلانات الدولية ذات العلاقة، وفقاً لمقتضيات العرض وكلما كان ذلك متاحاً.
 
• مفهوم استقلال المحاماة:

المحاماة من الحماية، وهي رسالة نصرة الحق والدفاع عن المظلوم واستقصاء العدل، والمحامون (شركاء للقضاة، اتخذوا تقديم المشاركة القضائية والقانونية لمن يطلبها، مهنة لهم)، وإذا كان البعض يذهب إلى اعتبار المحاماة فناً رفيعاً لازماً لتحقيق العدالة- وهي كذلك- إلا أن دور المحامي وطبيعة مهامه وعلاقته بموكله والقضاء والآخرين أوجد التحديد المتفق عليه من أن (المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة التي هي جوهر القانون ومرتكزه ) ولا تناقض بين مفهوم المحاماة كمهنة مستقلة ومفهومها كرسالة وفن رفيع، لأن نشوء المحاماة بعيداً عن سلطات الدولة ودونما خضوع لما تخضع له هذه السلطات، وانطلاقها من واجب الدفاع وتقديم المساعدة القانونية والقضائية، وتطلبها المعرفة والعلم والتأهيل الجيد، حدد مفهومها كمهنة حرة مستقلة، وحدد غرضها ودورها كأداة للدفاع عن المحتاج، وحدد مكانتها كفنٍ رفيع جعلها بحق رسالة نصرة الحق وتحقيق العدالة. 

ومفهوم المحاماة بالمعنى المتقدم جعل استقلاليتها، أهم مقومات وجودها وفعاليتها في أداء دورها، وإذا كان استقلال مهنة المحاماة جزءاً من استقلال القضاء- وكلاهما (استقلالية القضاء والمحاماة) جزءان لا يتجزءان لازمان لإقامة العدل- فإن لاستقلالية المحاماة، معنى ومفهوماً يختلف عن مفهوم ونطاق استقلال القضاء، ومرد ذلك إلى أن المحاماة ليست سلطة كسلطة القضاء، أو سلطة كبقية سلطات الدولة (التنفيذية والتشريعية)، فالمحاماة منذ نشأتها هي مهنة معاونة القضاء، تكمل وتشاطر القضاء مهمة إقامة العدل؛ ومن هنا اعتبر استقلال المحاماة جزءاً من استقلال القضاء؛ ومن هنا أيضاً أعتبر وجود النظام القانوني العادل والناجع لإقامة العدالة، والحماية الفاعلة لحقوق الإنسان وحرياته، يتوقفان على استقلال القضاة واستقلال المحامين، وهذا المفهوم جرى تكريسه وتحديد مظاهره وعناصره في تشريعات المحاماة العربية بوجه عام.

ويقصد باستقلال المحاماة بوجه عام: قيام المحامين بأداء دورهم، متحررين من كل تأثير أو ضغط من أي جهة كانت، وأن تكون كل السبل ميسرة أمام الجمهور للاستعانة بالخدمة التي يقدمها المحامون.

فالمحامي في أدائه لمهمته وواجبه لا يخضع لغير ضميره الحر المستقل، واستقلالية المحاماة باعتبارها مستمدة من طبيعة وظيفته الاجتماعية كمشارك للقضاء في إقامة العدل تعني حرية ممارسته لمهنته واستقلاليته في آلية الدفاع عن موكله، ولعل هذا المفهوم لاستقلالية المحاماة هو الذي دفع للقول بأن: (المحاماة دعامة العدل باعتبار أن العدل أساس الملك، ولا عدل بغير قضاء، ولا قضاء بغير محاماة).

واستقلالية المحامي بالمقابل ليست امتيازاً له؛ يتيح تبرير الخروج على القانون، أو التعدي على القضاء، حتى في إطار خدمته لمصالح موكله، فالاستقلالية أداة حماية استوجبتها طبيعة الترابط العضوي بين مهمة القاضي والمحامي في إقامة العدل، وتنطلق من واجب مقدس أوجبه حق الدفاع المقدس، ودور المحامي في إطار ذلك هو دور نزيه ملتزم بالقانون، متفق مع واجبه في حماية حقوق الناس، والدفاع عن الصواب، وإقامة العدل، وتحقيق المحاكمة العادلة.
لهذا فإن محاولة البعض إصباغ صفة الفن بالمعنى المجرد على المحاماة لتبرير استقلال المحامي في خدمة مصالح موكله، بعيداً عن امتلاءات القانون والضمير والعدالة، لا يتفق ومفهوم الاستقلالية الذي أوجده نضال المدافعين الحقيقيين عن الحرية والحق في العدالة. وإذا كان مفهوماً أن استقلال المحامي ليس كمثل استقلال القاضي؛ لوجود التزام قانوني بين المحامي وموكله في الدفاع عن مصالح الأخير، فإن ذلك لا يغير من وجوب أن يكون بذل المحامي أقصى جهده في الدفاع عن موكله، وضمان مصالحه المشروعة وحقوقه القانونية، أو وضعه في مركز أفضل مما هو فيه، إنما يجب أن يتم ضمن إطار القانون وآداب مهنة المحاماة، وآداب الترافع، وقواعد السلوك القويم في العلاقة مع الموكل، والقضاء والغير، وإدراك الترابط العضوي بين القضاء والمحاماة في أداء العدل.

واستقلال مهنة المحاماة يعني أداء المحامي واجباته لخدمة موكله على نحوٍ مستقل ونزيه متحرر من التدخل في شؤونه من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى سلطة القضاء، ومن قبل أي كان دون خوف، ووفقاً لما يمليه عليه ضميره، وأخلاقيات مهنته، ولهذا فإن مفهوم الاستقلالية -في أفضل تعبير- هو(الكفاية الذاتية الوظيفية المصحوبة بأشكال المسؤولية التي تضمن أداء المحامي وظيفته بشكل يطمئن المتقاضين إلى من يمثلوهم ويثقوا بهم، وتخلق لدى المحامين القدرة على مقاومة كافة الضغوط والتدخلات من أي مصدر كان).

الاهتمام الدولي والإقليمي بمبدأ استقلال مهنة المحاماة:

يؤخذ على المواثيق الدولية عدم إيلائها الاهتمام الكافي لمبدأ استقلال المحاماة، إذ بالرغم من أن المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أوجبت توفير سائر الضمانات اللازمة للدفاع عن المتهم في محاكمة عادلة وكرست ذات المبدأ، المادة 14/3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وبالرغم من أن ضمانة هذا الحق تتطلب تنظيم الحماية الدولية لمبدأ استقلال المحاماة الذي يكفل قيام المحامي بواجبات الدفاع، بالرغم من ذلك، فقد تأخر الاهتمام الدولي باستقلال المحاماة - على عكس استقلال القضاء - ولم يتخذ بعد الموضع المطلوب ضمن اهتمامات المجتمع الدولي.

ويمكن رصد الجهود الدولية والإقليمية منذ إعلان أثينا الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون عام 1955، حيث أكد هذا الإعلان على استقلال مهنة المحاماة، وتحررها من التدخل الخارجي لضمان احترام سيادة القانون. وأبرز المجهودات الدولية في هذا الميدان، الإعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 والذي أكّد على أن العدالة تشكل الدعامة الرئيسة للحرية، وأكّد على استقلال السلطة القضائية والمحامين.
وقد مثلت مؤتمرات الأمم المتحدة منع الجريمة ومعاملة السجناء حقلاً رحباً لبحث استقلال المحاماة، وإقرار إعلانات تضمنت تأكيد المبدأ، وتحديد مظاهره وعناصره ومتطلبات حمايته، وقد تناولت هذه المؤتمرات منذ ميلانو 1985 هذا الموضوع بالبحث والمتابعة وفق توجيهات المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة، وتوصل المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة المنعقد في هافانا - كوبا إلى إقرار المبادئ الأساسية بشأن استقلال ودور المحامين، تضمن التأكيد على استقلال المحاماة واستقلال تنظيمات المهنة في تولي شؤونها، وحددت المبادئ واجبات وحقوق المحامين، وواجبات الدولة في ميدان حماية استقلال المحاماة التي تمثل الحد الأدنى من معايير احترام وتعزيز استقلال المحاماة.

أما اتحاد المحامين العرب فقد أولى مسألة استقلال المحاماة واستقلال القضاء اهتماماً خاصاً، إذ انطلق مما قرره القانون الأساسي للاتحاد من عمل الاتحاد على تأمين استقلال القضاء والمحاماة؛ فعقد عام 1980 مؤتمره الرابع عشر في الرباط تحت عنوان استقلال المحاماة ضمانة أساسية لحق الدفاع، وأسّس الاتحاد من بين لجانه لجنة لاستقلال المحاماة والقضاء جرى إعادة تنظيمها كلجنة دائمة بناءً على توصية المكتب الدائم للاتحاد المنعقد بالدار البيضاء عام 1990، وأجرت اللجنة دراسة مسحية لواقع المحاماة والقضاء في الوطن العربي من خلال الاستبيان الذي وجهه الاتحاد في شباط 1991 إلى جميع نقابات المحامين في الوطن العربي، تضمن الاستيضاح عن مظاهر وواقع استقلال المحاماة والقضاء في الأقطار العربية، ويكرس الاتحاد -من بين أعماله- بنداً خاصاً لمتابعة هذا الموضوع، كما يوليه الاهتمام في صحافته؛ حيث ينشر بشكل متواصل الأبحاث والدراسات المتعلقة بهذا الموضوع.

مقتضيات الاســـتقـلال: 

إن المقصود بالعنوان المتقدم تحديد متطلبات مبدأ استقلال المحاماة، بمعنى تحديد أساس مشروعية المبدأ ومبرر وجوده، إذ - كما ذكرنا - ليست الاستقلالية مجرد حرية قيام المحامي بما يريد، إنما هي أداة لحماية المحامي في أدائه المشروع لواجبه، لهذا، فإن استقلالية المحاماة تتطلب ابتداء انطلاقها من واقع يكفل هذه الاستقلالية، ممن يتمتع بها ويبررها في مواجهة منكريها. إن مفهوم الاستقلالية كما رأينا حدده طبيعة المحاماة كشريك للقضاء في إقامة العدل وتأكيد سيادة القانون، وهذا ما يتطلب ويستوجب أن يكون المحامي نزيهاً في ممارسته لمهنته، وبذات الوقت يتطلب أن يكون قادراً على ممارسة المهنة.

فأول ضرورات استقلالية المحاماة أن يتحلى المحامي بكافة الصفات التي يلتزم بها القاضي، من حيث النزاهة والحيدة والالتزام بالقانون والخضوع للضمير والاعتدال والأدب في عرض الموقف وفي القول والمرافعة والبعد عن التحيز والتعصب، ليس في ممارسته لمهنته بل في سائر شؤون حياته، لأن أول مقومات المحامي الالتزام الأخلاقي الرفيع الذي يضعه في انسجام مع دوره في أداء رسالة الدفاع المقدس ومشاركته وظيفة إقامة العدل. وقد نصت جميع التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة على وجوب توفر مثل هذه الصفات فيمن يمارس مهنة المحاماة، بل اعتبرتها التشريعات شرطاً من شروط مزاولة المهنة واستلزمت استمرار توفره، واتجهت إلى زوال الحق في ممارسة المهنة عند انتفاء هذا الشرط.

إن نزاهة المحامي والتزامه بالقانون تتطلب أيضاً احترام إجراءات التقاضي، والبعد عن كل ما يعطلها وعن أي مسلك غير متفق معها في مواجهة خصمه، كما تقتضي أن يبتعد عن كل إجراء من شأنه إعاقة العدالة، أو مساعدة موكله على مخالفة القانون.
والنزاهة تستوجب من المحامي الابتعاد عن جميع وسائل ومظاهر استجلاب الزبائن والدعاية التجارية، ووسائل الخداع وفي الحصول على الدعاوى والإساءة لزملائه لتحقيق ذلك.

وحفاظاً على الحيدة والنزاهة، والتزاماً بمفهوم المحاماة ودورها؛ فإن المحامي يجب أن يمتنع عن ممارسة أي عمل إلى جانب المحاماة من شأنه التأثير على نزاهته أو أدائه، ومن هنا تتفق تشريعات المهنة في حظر الجمع بين المحاماة وبين عدد من الوظائف والمهام والأعمال.
ترتبط المحاماة بالحياة القانونية، كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع ويقع على المحامي واجب خماسي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وعدم الكفاءة المهنية يعد أحد الأسباب الرئيسة لأزمة العدالة).

إن تشريعات مهنة المحاماة تتطلب- إلى جانب التعليم القانوني- التدرب المهني على أعمال المهنة، وتتطلب إنجاز متطلبات معينة نظرية وعملية للنجاح في هذا التدريب، كما يخضع المحامي إلى اختبارات التأكد من الجدارة والكفاءة، وهذا شأن جميع التشريعات العربية على اختلاف بينها من حيث شروط ومتطلبات ومدد التدريب وآليات التثبت من الكفاءة ووقت ذلك.  

إن استقلال مهنة المحاماة منوط بالمحامين في التزامهم الأخلاقي بكل ما يكفل نزاهتهم، ويحافظ على شرف وكرامة المهنة، وفي التزامهم بالحفاظ على كفاءتهم المهنية، وتطوير قدراتهم المعارفية وأدائهم العملي.

مظاهر استقلال مهنة المحاماة: 

إذا كان ما تقدم بيان لمقتضيات الاستقلال، وهو واجب المحامي وتنظيمات المحامين حصراً، فإن ما سيأتي بيان للمظاهر الواجب توفرها للقول بوجود الاستقلال وكفالته. ويستخدم الفقه تعبيرات متعددة بديلة عن تعبير مظاهر الاستقلال، فنجده يستخدم صور الاستقلال أو معاييره أو حتى عناصره. والحقيقة أن جميع هذه التعبيرات - رغم عدم ترادفها - يراد منها بيان المسائل التي تكفل استقلالية المهنة والمناط بتشريعات تنظيمها النص عليها، ومناط بتنظيمات المحامين العمل على حمايتها وتعزيزها، ومناط بالمحامين مراعاته، ومناط بسلطات الدولة والغير احترامها.
ويمكن حشد مظاهر استقلال مهنة المحاماة ضمن محاور ستة، هي:

1. استقلال التنظيم القانوني للمحامين وهيمنته على شؤون المحامين:

إن استقلال المحاماة يتطلب وجود تشريع منظم لمهنة المحاماة يكفل استقلال المحامين عن أية ارتباطات بأي من سلطات الدولة، ويحصر مزاولة المهنة في المحامين الذين تتوفر فيهم الشروط المقررة في القانون، كما يستوجب وجود تنظيم نقابي (نقابة) يتولى شؤون المهنة ويتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية ويناط به كافة الصلاحيات والمهام المتعلقة بالمحامين، من حيث تنظيم المهنة وحمايتها والحفاظ على سمعتها ورعاية شؤون المحامين المعيشية في نطاق مظلة الخدمات الاجتماعية التي يتعين أن توفرها، وتكون النقابة هي الجهة المناط بها وحدها مساءلة المحامين تأديبياً عن أية مخالفات لقوانين وأنظمة المحاماة، وتخرج عن قواعد آداب وسلوك وأعراف المهنة. واستقلال النقابة يشكل الضمانة الأساسية لاستقلال المحاماة وحتى تتمكن من أداء دورها، يجب أن تكون ذات إرادة حرة يعترف القانون بها ويكفلها، وأن تكون مجالسها التمثيلية منتخبة بطريقة حرة ديمقراطية دون تدخل أي جهة كانت وبأي شكل كان، كما أن من مستلزمات استقلالية المحاماة واضطلاع النقابة بدورها في ذلك دفاع النقابة عن السلطة القضائية وحماية كرامة واستقلال القضاء. وهذه القواعد وما يتصل بها محل اتفاق في سائر تشريعات مهنة المحاماة العربية.

2. استقلال المحامي في علاقته بموكله:

إن استقلالية مهنة المحاماة من حيث علاقة المحامي بموكله تقيم على المحامي التزامات وتمنحه واجبات،
 فمن حيث الحقوق:
• المحامي حر في قبول أو رفض الوكالة عن الغير باعتبار أن ما يربطه بموكله من علاقة يخضع لمبدأ سلطان الإرادة. لكن يقع عليه واجب عدم رفض قبول الوكالة في حالة المساعدة القضائية بالدفاع عن المحتاجين. كما أن قبول الوكالات العامة قد يكون خاضعاً لتحييد القانون.
• والمحامي حر في تحديد ومباشرة خطة دفاعه عن موكله. كما أنه مستقل في اجتهاده القانوني ولا يسأل عن استشارة أو رأي أبداه بحسن نية.
• وللمحامي الحق في الأتعاب المتفق عليها، وفي النفقات، وما تفرع عن الدعاوى المتفق على أتعابها. وتنظم قوانين المهنة ولوائحها حدود ومقدار الأتعاب، وأحكام تقديرها عند التنازع، كما أنها تقرر قواعد لضمان حق المحامي في الأتعاب واستيفائها.
• وللمحامي الحق في إنهاء وكالته واعتزالها والانسحاب من الدعوى، إلا أن هذا الحق مقيد في مختلف التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة.

أما من حيث الواجبات تجاه موكله:

فالمحامي ملزم بالدفاع عن موكله بكل أمانة وإخلاص ومسؤول عن تجاوز حدود الوكالة أو التقصير أو الإهمال في واجباته.
• المحامي ملزم بعدم قبول الوكالة عن خصم موكله، أو قبول وكالة خصمين في دعوى واحدة.
• واجب المحامي في المحافظة على سر موكله المهني وكل ما توصل بحظر إفشاء السر حتى بعد انتهاء الوكالة. وإذا كانت بعض التشريعات الوطنية تجيز للمحامي إفشاء السر إذا كان متصلاً بجرم، فإن ذلك يتفق ووظيفته في ميدان إقامة العدل وسيادة القانون، غير أن مسألة السر المهني تعد واحدة من أهم مظاهر استقلال المحامي، يتعين على الكافة احترامها ولا يجبر المحامي من قبل أي سلطة بإفشاء أسرار موكله، ويعد من مقاييس الاستقلالية وكفالة الدولة لها احترامها لعلاقات المحامين بموكليهم وحرصاً على التزام المحامي بالحفاظ على أسرار موكله المهنية.
• يقع على المحامي واجب الامتناع عن إبداء المشورة أو العون لخصم موكله وحتى الاتصال به في خارج ما وكله به موكله.
• يلتزم المحامي بالامتناع عن الشهادة ضد موكله والامتناع عن القيام بكل ما يعرض مصالحه للخطر أو يلحق الضرر به.
• يلتزم المحامي بإعادة أوراق موكله وكل ما ائتمنه عليه من أموال ومستندات في الوقت المتعين عليه إعادتها أو تسليمها.
وقد قررت سائر تشريعات المهنة هذه الحقوق والواجبات، كما تضمنتها لوائح آداب المهنة ونظم معظمها وأهمها إعلان المبادئ الأساسية العالمي الخاص بدور المحامين المقر من قبل مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة في كوبا 1990 (البنود 12 – 15 من الإعلان المذكور).

3. استقلال المحامي في علاقته بالقضاء:

المحامي مستقل في ممارسته لواجبات مهنته عن القضاء، ومقتضى الاستقلالية عدم خضوع المحامي لأي تدخل من جانب أي كان بما في ذلك القضاء، ولا تتوقف مظاهر الاستقلالية عند هذا الحد، لأن الترابط القائم ما بين القضاء والمحاماة من حيث وظيفتيهما في إقامة العدل؛ استوجب التزامات متبادلة بين الطرفين، فالمحامي في سعيه لحفظ استقلاليته يتعين عليه:
• أن يسلك تجاه القضاة مسلكاً محترماً يتفق وكرامة القاضي ومركزه وهيبته واستقلاله، وأن يرتقي بآداب المخاطبة والمرافعة أمام القاضي، وأن يتحاشى كل ما يخل بسير العدالة، كل ذلك دون انتقاص لدوره في الدفاع عن موكله وحقه في الانتقاد والاعتراض المؤسس على القانون ودونما خوف أو اتخاذ أية اعتبارات شخصية تعيقه في أداء دوره.
• أن يقيم علاقته مع القضاء على أساس علاقات الزمالة والتعامل الرسمي، فيتجنب التعامل الشخصي والاتصال والمناقشة على انفراد من غير داعٍ، ويتجنب التناحر والنزاع مع القاضي، ويسعى للحفاظ على العلاقة المهنية معه، كشريكين في إقامة العدل؛ وهذا يستوجب الحرص لحل أي خلاف مع القاضي بشكل ودي، إلا في الحالات التي تستلزم ذلك، وبعد أخذ موافقة النقيب أو النقابة.

  وبالمقابل فإن مبدأ استقلال المحاماة يقيم على القضاة التزامات لحماية هذا المبدأ، ويبرز ذلك مما يلي:

• إن استقلال المحاماة يقتضي احترام القضاء للمحامين ودورهم وإتاحة الفرصة كاملة لهم للقيام بواجبهم، فلا يرفض القضاء مثول المحامي أمامه، ولا يجيز القضاء للمتداعين المثول دون محامٍ في حالة تطلب القانون ذلك.
• استقلال المحاماة يستوجب أن يتيح القضاء للمحامي إبداء أقواله واعتراضاته بكل حرية، وأن يحترم حق المرافعة ويمنح المحامي الرخص المقررة في القانون للتأجيل أو الاستمهال، وأن يعطى الوقت الكافي للمرافعة والاستعداد لها ومناقشة الشهود وغير ذلك من أعمال مهنته.

4. استقلال المحامي في علاقته بنقابته وزملاءه:

إن حماية استقلال المحاماة واجب على المحامين وعلى تنظيمهم النقابي، وتعد استقلاليتهم أسمى مطالبهم، وأكثر حاجاتهم ضرورة، لذا كان المحامي أكثر الجهات المنوط بها حماية استقلالية المحاماة، ويتأتى ذلك فيما يتعين أن يلتزم به تجاه زملائه من جهة وتجاه نقابته من جهة أخرى:
فبالنسبة لعلاقة المحامي بزملائه، يقع عليه واجب الالتزام بقواعد اللياقة والاحترام والتقدير ضمن إطار علاقات الزمالة المهنية، والامتناع عن كل ما يمس الزملاء وتحديداً الخصم في الدعوى، والابتعاد عن الضغائن، والتعرض للمسائل الشخصية، والانتقاد والهجوم غير الموضوعي، وأن تحكم مخاطبته زملاءه في قاعات المحاكمة آداب المرافعة؛ حتى يسود التعاون؛ من أجل تيسير إجراءات التقاضي. ويقع عليه واجب الامتناع عن كل ما يعطل طلبات خصمه، دون سند أو مبرر، والامتناع عن التوكل عن الأشخاص الذين لهم وكلاء من المحامين أو المستشارين، إلا في حدود قواعد المهنة المقررة وتقاليدها، وعلى المحامي في علاقته بزملائه الوكلاء معه في نفس الدعوى عن ذات الشخص، أن يبدي كل تعاون مع زملائه؛ لتيسير خطة الدفاع، ويقدم كل ما لديه من علم ومعرفة في إطار العمل كفريق واحد، بعيداً عن التفرد والأنانية.
والمحامي يقع عليه واجب عدم إفشاء ما يبوح له به زملاؤه، وعدم استغلال ذلك في دفاعه، إذا كان قد ائتمنه الخصم عليه، كما يقع على المحامي واجب تقديم كل ما في وسعه؛ لتدريب المحامي المسجل تحت اسمه وإشرافه، ومده بالعون والمساهمة الحقيقية في إنجاز المحامي المتدرب متطلبات التدريب النظري والعملي، وذلك بتهيئة المادة القانونية والدعاوى العملية لإطلاعه عليها، وإشراكه بالعمل وتكليفه بالمهام المختلفة، ومتابعة أخطائه وإنجازه، في إطار علاقة مهنية صرفة بعيدة عن المحاباة أو التسلط، كما يلتزم المحامي المشارك مع غيره، بحفظ أسرار زملائه في ذات المكتب، وعدم التوكل ضدهم أو التواطؤ معهم ضد الغير، وبالعموم، فإن مقدار احترام المحامي زميله الآخر وحرصه على استقلاله واحد من العوامل الرئيسة لحماية استقلال مهنة المحاماة وتعزيز فرض احترامها على الغير.

 أما بالنسبة لالتزام المحامي تجاه نقابته في إطار تعزيز استقلالها وحمايته، فإنه يقع عليه واجب تنفيذ كل ما هو مقرر في قانون النقابة وأنظمتها ولوائحها من واجبات تجاه نقابته، فيؤدي التزاماته المالية تجاهها، ويرفع إليها أي منازعة أو شكاية ضد زميل له أو قاض؛ لتتخذ الإجراء اللازم، ويمتـثـل لأوامر وطلبات النقابة في ميدان التأديب والمساءلة المسلكية، دون إخلال بحقه في الطعن بقراراتها، ويقوم بواجبه في انتخاب مجلس النقابة والمشاركة في هيئاتها العامة، وتنفيذ ما يكلفه به النقيب من أعمال مهنية مجانية: كإلقاء المحاضرات، وتقديم الاستشارات للمتدربين، وإعداد الدروس والمحاضرات لهم، وتنظيم أعمال المؤتمرات، وإعداد المقالات والدراسات لغايات النشر في الصحافة الحقوقية، ومساعدة النقابة في أعمالها، والدفاع عن المحتاجين في إطار المساعدة القضائية.
وبالعموم، فإن المحامي- في إطار فهمه لأهمية استقلالية مهنة المحاماة وإدراكه أن إسناد النقابة واحترام أنظمتها وقراراتها واحد من أهم عناصر كفالة وتعزيز استقلال المهنة- يتعين عليه أن يساهم في كل ما من شأنه تعزيز مكانة النقابة وهيبتها، واحترام دورها؛ ليقطع الطريق على استغلال المتربصين بالمهنة واستقلاليتها، والتصدي لكل مظهر من مظاهر إهدار المحامين لمكانة وهيبة نقابتهم المناط بها حماية استقلاليتهم.

5. استقلال المحامي في علاقته بالأجهزة المتصلة بنظام العدالة:

كما قدمنا في صدر هذه الدراسة، فإن استقلال المحاماة يقوم ويتعزز في دولة القانون، التي يسود فيها احترام حقوق الإنسان؛ لأن سيادة حقوق الإنسان، تعني احترام أجهزة الضبط العدلية لحقوق المتهم المفترضة، كبراءته إلى حين إدانته بقرار قضائي في محاكمة عادلة يتاح له فيها حق الدفاع بكل ضماناته، ومثل هذا الاحترام ينسحب على احترام واجب المحامي في الدفاع وحقه في القيام بكل ما يقع في هذا الإطار؛ وبالتالي تتعزز مظاهر استقلال المحاماة واحترام دور المحامي، كلما تعزز في الدولة وتعزز في قواعد النظام القانوني للدولة حماية حقوق الإنسان، فاحترام الحقوق يستوجب احترام حماة هذه الحقوق.

واستقلال المحامي في علاقته بالأجهزة العاملة في ميدان العدالة – طبعاً إلى جانب القضاء الذي خصصنا له البند (3) أعلاه – يقتضي أن تحترم سائر الدوائر والسلطات التي يمارس مهنته أمامها حرية المحامي ومكانته والتعاون معه، وإتاحة كل فرصة له للقيام بواجبات الدفاع عن موكله، وتقتضي أن لا يتعرض المحامي للملاحقة أو القبض عليه جراء ما يجريه من أعمال في خدمة موكله، ويتعين أن ينال الرعاية والاحترام الكافيين أمام دوائر الشرطة والنيابة وجهات التحقيق، وأن تحترم سرية أوراقه وملفاته وأن لا يتعرض شخصه أو مكتبه للتفتيش والمداهمة .

إن استقلال المحاماة لا يتفق وتقييد حرية المحامي في إبداء دفاعه، وطرح كل ما يجده خادماً لمصلحة موكله؛ لذا تحرص النظم القانونية على إقرار سبب تبريره أو سبب إعفائه من المسؤولية عن أية أقوال يبديها في دفاعه عن موكله.

وفي إطار حماية استقلالية المحامي، فإنه يحظر على جهات التحقيق والضبط العدلي، توقيف المحامي، أو التحقيق معه كأصل عام، إلا بعد إعلام النقابة التي ينتسب إليها وحضور مندوب النقابة للدفاع عنه.

كما يقع على عاتق المحاكم إخطار النقابة بكل حكم جزائي يصدر بحق محام وإرسال نسخة عنه للنقابة، وذلك في إطار دور النقابة في المساءلة التأديبية للمحامي.

وتقتضي استقلالية مهنة المحاماة، أن يحصل المحامي من الجهات المختصة على التسهيلات اللازمة والامتيازات الضرورية للقيام بمسؤولياته المهنية، كالحماية الكاملة للطابع السري في علاقته بموكله، وحقه في اللقاء المنفرد مع موكله الموقوف، وحريته في الانتقال والسفر إلى أية جهة لخدمة قضية موكله وتعاون مختلف دوائر الدولة معه، تحديداً في استفساراته حول قضيته وظروفها ومسائلها، وفي تزويده بالبيانات التي تتوفر لدى هذه الجهات وفق الأصول المقررة في القانون.

6. استقلالية المحامي في علاقته بالغير:
إن المحامي وفق مبدأ (استقلال مهنة المحامي) لا يجوز أن يتعرض لأي تهديد أو تدخل في شؤون مهنته من أي جهة كانت، أو من أي شخص كان؛ وفي هذا الإطار، فإن للمحامي  أن لا يتعرض للتهديد أو الإيذاء أو الضغط جراء مواقفه التي أبداها، سيما وأن المحامي معرض للدفاع عمن لا يرتضي الرأي العام مسلكه أو لا ترتضي السلطات موقفه، ومن بين الضمانات التي تحقق ذلك تغليط العقوبات على كل فعل جرمي يستهدف المحامي جراء قيامه بمهام مهنته.

معيقات استقلال المحاماة:

الوعاء الذي يتسع ليضم معيقات استقلال المحاماة، هو انتهاك حقوق الإنسان وتغييب الديمقراطية وحكم القانون، فالتربة الخصبة لسيادة القانون وضمان استقلال ركني العدالة القضاء والمحاماة هو حماية حقوق الإنسان والديمقراطية، وسيادتهما سيادة لدعائم العدالة، ويمكن تحديد أبرز معيقات استقلال المحاماة في الوطن العربي عموماً بما يلي:

إنشاء وتعميم المحاكم الخاصة وعسكرة القضاء:

إن نظام العدالة الطبيعي هو الذي يوفر للمتقاضين حق المثول أمام قاضيهم الطبيعي، وقاضيهم الطبيعي هو القاضي النظامي الذي يستقل بعمله عن أي تأثير، ولا يخضع في قضائه لغير ضميره والقانون، وهذا هو القاضي المنتسب للسلطة القضائية المستقلة التي حمى استقلالها قواعد الدستور وتشريعات استقلال القضاء. وأمام القاضي الطبيعي يمثل المدافع الطبيعي وهو المحامي المسلح بقواعد الإجراء التي تقيد القاضي وتقيد المحامي، ويتسلح كلاهما - القاضي والمحامي- بالحس المشترك في ضرورة إسناد كل منهما للآخر للحفاظ على استقلاليتهما؛ ومن هنا كان الاتجاه نحو إنشاء وتوسيع القضاء الاستثنائي بوجه عام والقضاء العسكري بوجه خاص متعارضاً مع الضمانات المشار إليها لحيدة واستقلال القضاء، واستقلال المحاماة ونجاة نظام العدالة.
فالقضاء الاستثنائي يرتبط ويتأثر - إن لم يكن مباشرة فبشكل غير مباشر- بالسلطة التنفيذية، التي تجد فيه مدخلاً لتسهيل إنقاذ سياستها في معالجة الدعاوى والموضوعات التي يختص بها.
 هذا الارتباط يخلق واقعاً من التأثير والضغط يبدد استقلال القاضي الذي هو ضمانة العدالة الأولى، وممارسة المهنة أمام مثل هذا القضاء تتحول إما إلى أداء شكلي للدور المنوط بالمحامي، أو مساجلات في غير صالح الموكل، وهو ما يحول المحاماة من رسالة الدفاع عن المتهم إلى الدفاع عن ذات المحامي أمام تهميش دوره وإهدار كرامته في أحيان كثيرة أو الدفاع عن الامتيازات الذاتية فيما نشأ جراء امتداد تأثير السلطة إلى المحامي العامل أمام هذا القضاء، وفي الحالتين يهدر استقلال المحامي في غير صالح نظام العدالة برمته.

إن عسكرة القضاء واستثنائيته، إلى جانب عدم دستوريته واتجاهه عكس تيار إنماء حقوق الإنسان، والديمقراطية واحد من المعيقات الرئيسة أمام سيادة أحد دعائم مبادئ العدالة، إنه معيق حقيقي أمام استقلال مهنة المحاماة.

تضييق الحق في الاستعانة بمحام:

إن حق المتهم في الاستعانة بالمحامي في كل وقت وأمام أية جهة تحقيق أو محاكمة واحد من أهم ضمانات تعزيز العدالة وكفالة استقلال المحاماة، وتنزع التشريعات العربية عموماً إلى تقييد الحق في الاستعانة بمحام، كما أن هذا الحق مقيد بطلب المتهم ووجود المحامي دون التزام من النيابة بتعيين محامٍ عن المتهم، وحضور المحامي أمام النيابة مقيد أيضاً، فهو محظور بالنسبة لسماع الشهود، كما أن الكلام أمام المحقق منوط بإذن الأخير، ومنع المحقق المحامي من الكلام لا أثر له غير إثبات الواقعة في المحضر، كما أن المدعي العام يملك سلطة منع المحامي من الاتصال بموكله.

إن تضييق الحق في الاستعانة بمحامٍ في الدعاوى الجزائية، من شأنه المساس باستقلالية المحاماة؛ لما يسود بسبب ذلك من إيمان بهيمنة النيابة على التحقيق في مواجهة المحامي، وفي ذلك مساس بمكانة المحاماة وثقة الجمهور بها، إلى جانب حرمان المتهم من المدافع عن حقه في احترام قرينة البراءة التي يحظى بها.

التدخل المباشر وغير المباشر في النقابات ودورها:
إن تدخل السلطة التنفيذية في النقابات المنظمة لشؤون المهنة واحد من أخطر معيقات وعوامل إهدار استقلال مهنة المحاماة، وإذا كان التدخل بالحل أو تعيين اللجان المؤقتة - كما هو الحال فيما شهدته الساحة العربية في أكثر من قطر كالسودان ومصر وليبيا - مما يعد انتهاكاً سافراً لا لمبدأ استقلال المحاماة فحسب، بل للحقوق المكفولة دستورياً -، فإن التدخل غير المباشر ليس أقل خطراً، ويتخذ التدخل صوراً شتى، أقربها استخدام السلطة نفوذها ومؤيديها للسيطرة على النقابة وتمرير مخططاتها في تهميش دورها، أو التدخل في التعليم القانوني لجهة توجيهه وتحديد منتسبيه، بما يخلق واقعاً جديداً في النقابة عند انتساب هؤلاء لعضويتها، وقد يتخذ التدخل بعداً تشريعياً من خلال استثمار السلطة التنفيذية دورها التشريعي، أو تأثيرها على السلطة التشريعية وهيمنتها على قرارها من خلال تمرير تشريعات تحجم دور النقابة في تعزيز استقلالية المحاماة تحت شعارات متعددة كشعار مهننة المهنة، وإبعاد النقابات عن العمل العام، والتدخل في الشؤون السياسية.

إلى جانب هذه المعيقات الثلاث المتقدمة، فإن إهدار أي من مظاهر استقلال المحاماة السابق عرضها، يحقق قيام عائق أمام استقلال المحاماة؛ فانتهاك مكاتب المحامين، أو سرية علاقاتهم بموكليهم، أو إضعاف مؤسسة المساعدة القضائية للمحتاجين، أو ضعف التأهيل والكفاءة للمحامين، أو الاستقواء على القضاء والتدخل في شؤونه، أو غير ذلك من المساس بضمانات ومظاهر الاستقلالية؛ من شأنه أن يقيم عوائق حقيقية أمام استقلالية المهنة وأدائها لرسالتها المقدسة.

الخلاصة:

إن حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، تقتضي حصول جميع الأشخاص على خدمات قانونية يقدمها مهنيون قانونيين مستقلون يتمتعون بالكفاءة والجدارة، والقدرة على أداء واجبات الدفاع، ويتحلون بالنزاهة والحيدة والالتزام الخلقي في عملهم. والمحاماة القادرة على المشاركة في إدارة نظام العدالة وإعلاء صرح الحق، هي المحاماة المستقلة المرتبطة بالقضاء المستقل في دولة تحترم وتكفل حقوق الإنسان، وهي المحاماة التي تتولى شؤونها نقابات المحامين التي تتمتع بالاستقلال في إدارة وتولي شؤون المهنة والحفاظ على كرامتها وكفاءة منتسبيها، ومساءلة المخل منهم بواجباته المهنية والأخلاقية، واستقلال المحاماة منوط بكفالة حق كل شخص في الوصول إلى خدمة المحامي والاستعانة به، والتمتع بمساعدته عند عدم توفر القدرة المادية على توكيله، واستقلالية المهنة المقدسة منوطة بالمحامين في سعيهم للحفاظ على استقلاليتهم وهيبة نقابتهم، وفي فرض احترام الغير للمهنة، سواء الأشخاص أو السلطات أو القضاء أو الأجهزة والجهات التي يباشرون عملهم أمامها. والاستقلالية وحمايتها واجب على التنظيم الممثل للمحامين المناط به تدعيم مكانة المهنة والارتقاء بكفاءة ومعارف منتسبيها، والحفاظ على كرامتهم.
 وحماية واحترام استقلالية المحاماة، واجب على الدولة وسلطاتها الثلاث، من خلال توفير الأجواء للمحامين في أدائهم لوظيفتهم المهنية دون عائق أو تدخل، وعدم تعريضهم للاعتداء أو الملاحقة أو المضايقة جراء ما يجرونه من مهام الدفاع عن موكليهم، وتوفير ضمانات حمايتهم من كل اعتداء، واحترام علاقتهم بموكليهم وسرية مكاتبهم وأوراقهم وأعمالهم واتصالاتهم.

[1] بهذا المفهوم نصت المادة (1) من قانون المحاماة المصري رقم (17) لسنة 1983 على أن:
"المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة وفي تأكيد سيادة القانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال، بلا سلطان عليهم لأي جهة كانت، إلا لضمائرهم وأحكام القانون". وتقابل المادة (1) من قانون تنظيم مهنة المحاماة السوري رقم (39) لسنة 1981 التي نصت على أن: "المحاماة مهنة علمية فكرية حرة مهمتها التعاون مع القضاء على تحقيق العدالة والدفاع عن حقوق الموكلين وفـق أحكام القانون". والمادة (1) من قانون مهنة المحاماة اللبناني رقم 8/70 والمادة (2) من قانون المحاماة التونسي رقم (37) لسنة 58، والمادة (الفصل) (1) من قانون تنظيم نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة في المغرب رقم 79/19 التي جاء فيها: "المحامون جزء من أسرة القضاء، مهنتهم حرة ومستقلة). وسوف نشير فيما يأتي إلى هذه القوانين باسم الدولة بما يفيد قانون مهنة المحاماة للدولة المشار إليها. موسوعة المحامي العربي. (عمران محمد، 1989م).

[2] نشأت مهنة المحاماة منذ فجر التاريخ، فقد وجد عند المصريين القدماء منذ عام 2778 قبل الميلاد جماعة من أهل العلم يسدون المشورة للمتخاصمين، وعند السومريين القدماء، وفي عهد حمورابي عام 1750 قبل الميلاد، كان لكل خصم في خصومة مدنية أو جنائية حق توكيل غيره للمطالبة بحقه أو براءته، ويرجع أول استعمال لمصطلح "
advocates" بمعناه (من يستنجد به الناس) إلى زمن سيشرون وكان مضمونه (صديق يساعد ويعضد المتهم بحضوره محاكمته)، وأصبح يستخدم هذا الاصطلاح بمعناه الحديث (المحامي) في عصر الإمبراطورية الإغريقية الأولى. كما يرجع إنشاء أول نقابة إلى عهد جوستنيان لتمييز الوكلاء بنوعيهم: (الوكيل المدني، والوكيل بالعمولة) عن الصناع والتجار، وكان لهم حق تكوين رابطة مهنية خاصة، ولم يكن المحامون يؤدون قسم المهنة، ويرجع أول تنظيم للمحاماة في البلاد الإسلامية إلى عام 1292 هجرية 1876م، حيث وضع في الدولة العثمانية نظام وكلاء الدعاوى.
[3] بالنسبة للتشريعات العربية الحديثة لتنظيم مهنة المحاماة في الدول العربية وتأسيس نقابات المحامين فيها فهي: في سوريا تأسست نقابة محامو حلب عام 1912، ونقابة دمشق عام 1921، ونقابة اللاذقية عام 1922. وظل التشريع العثماني المنظم لعمل وكلاء الدعاوى سائداً حتى عام 1921، حيث صدرت عن نقابة محامي دمشق لائحة تنظيم المهنة، وعام 1922 صدرت لائحة مشابهة عن نقابة حلب، ثم في عام 1930 صدر القرار رقم 2117 لتنظيم النقابات الثلاث، ومن ثم صدر أول قانون لمهنة المحاماة رقم (51) لسنة 1952.
وأما في لبنان، فإن أول تشريع لمهنة المحاماة يرجع إلى القرار رقم (655) لسنة 1921 الذي استنه حاكم لبنان الكبير في حين كان أول تشريع عام لتنظيم مهنة المحاماة في لبنان هو قانون 1935. وفي العراق قانون 1918 والنقابة 1933، وفي الأردن، فإن التشريع الذي ظل سائداً حتى عام 1926 هو قانون وكلاء الدعاوى العثماني لسنة 1301 هجري، حتى صدر أول تشريع للمحاماة بتاريخ 1/6/1926م، ثم حلّ محله قانون المحامين لسنة 1928، ثم قانون المحامين رقم (33) لسنة 1944، ثم قانون (31) لسنة 1950 وفي ظله تم تأسيس نقابة المحامين الأردنيين عام 1950 واستمر تعديل وإصدار تشريعات المحاماة في الأردن إلى أن صدر القانون النافذ رقم (11) لسنة 1972 وتعديلاته.
أما في فلسطين، فأن نظام وكلاء الدعاوى العثماني لسنة 1876م ظل سارياً بخصوص المحامين إلى أن صدر القانون رقم (32) لسنة 1938 وقد وضعه المندوب البريطاني، أما نقابة محامي فلسطين، فيرجع تأسيسها إلى عام 1942 واستمرت إلى عام 1950، حيث انضم محامو فلسطين إلى محامي الأردن وأسسوا نقابة المحامين الأردنيين عقب وحدة الضفتين.
وفي مصر، فإن أول لائحة لتنظيم المحاماة صدرت عام 1884 وأول قانون كان قانون رقم (26) لسنة 1912 الذي تم سنداً له تأسيس نقابة المحامين المصريين.
وفي السودان صدر عام 1906م مرسوم بمزاولة المهنة، ثم صدر عام 1935م أول قانون لمهنة المحاماة في السودان وتأسست النقابة عام 1952. وفي ليبيا صدر القانون رقم (44) لسنة 52 وتأسست النقابة عام 1962م. وفي تونس صدر القانون وتأسست النقابة عام 1958م، وفي الجزائر تأسست النقابة فيها عام 1920م وصدر أول قانون لتنظيم المهنة عام 1975م. وفي المغرب يرجع أول تنظيم للمحامين إلى عام 1931م، وفي موريتانيا عام 1980م، حيث تأسست النقابة بالقانون رقم 76/80، أما في الكويت فقد تأسس فيها جمعية المحامين عام 1963م وصدر القانون المنظم للمحاماة رقم (42) عام 1964، وفي البحرين عام 1973 تأسس فيها جمعية المحامين وعام 1980 صدر قانون المحاماة، وأما اليمن الجنوبي قبل الوحدة فيرجع التنظيم التشريعي للمحاماة فيها إلى عام 1954م.
[4]  د.محفوظ، المرجع السابق.
--------------------------------------
مجموعة عرب للقانون

مســـــؤوليـــــــــــة المحـــامـــــــــي بقلـــم الدكتـــور عبـــد الله الأحمـــــدي محـــام وأستـــاذ جــامعــــي

مســـــؤوليـــــــــــة المحـــامـــــــــي   بقلـــم الدكتـــور عبـــد الله الأحمـــــدي محـــام وأستـــاذ جــامعــــي


يقول المفكر "Camus"  "أن ممارسة مهنة المحاماة يجب أن تؤدي إلى الشرف ولا إلى الثروة" .
وهذه المقولة تبرز بوضوح نبل المحاماة وسمو رسالتها ورفعتها فهذه الكلمة مشتقة لغة من فعل حمي والحمي هو الذي لا يحتمل الضيم كما أن عبارة الحميّا تعني شدة النفس وأخيرا فإن الحامي هو الفحلأما كلمة "Avocat"بالفرنسية فهي مشتقة من العبارة اللاتينية – ADVOCATUS- وهي تعني الشخص الذي يقع الاستنجاد به للمساعدة والحماية (Celui que l’on appelait au secours).
وفعلا فالمحامي هو المدافع عن الحقوق بمختلف أنواعها المادية والأدبية وكذلك عن الحريات الفردية وعن اليتامى والأرامل والمتهمين وهو الذي يرفع الدعاوي ويرد عليها وفي كلمة واحدة أنه يجسم حق الدفاع – في مفهومه الشامل -. على أن الصورة العالقة في الذاكرة الشعبية عن المحامي هو المدافع عن المتهمين في القضايا الجنائية بالخصوص إذ عادة ما تقترن المحاماة بهذا الصنف من القضايا، فالمحامي الناجح في نظر عامة الناس هو ذلك الرجل الخطيب المصقع الذليق – ذرب اللسان الذي يزعزع بمرافعاته قاعات الجلسات .
ولا جدال أن هذه الصورة ناتجة عما تحاط به القضايا الجنائية من إشهار وما تستقطبه من فضول وانتباه.
غير أن هذه لصورة عن المحاماة خاطئة أو بالأحرى منقوصة فلم يبق المحامي ذلك الخطيب فتيق اللسان بل أصبح اليوم رجل علم القانوني.
فقد تطورت وتغيرت وعظمت مهمة المحامي في عصرنا الحاضر بحكم تشعب القضايا وتنوعها نتيجة لكثرة المعاملات التجارية والاقتصادية وتعقد الإجراءات أمام المحاكم فأضحى المحامي مطالبا بالإلمام بمختلف العلوم القانونية والتجارية والجبائية وحتى الاقتصادية والقانون الدولي خاصة بعد ظهور العولمة وانتشار المبادلات والصفقات الدولية.
كما أن مهمة المحامي لم تبق محصورة في الميدان القضائي فهو بالإضافة إلى عمله القضائي داخل رحاب المحاكم أصبح يقوم بمهام أخرى منها الاستشارات القانونية والمفاوضات وتحرير العقود بمختلف أصنافها.
إن لتنوع ولتطور مهمة المحامي انعكاسات هامة على علاقته بحريفه بحكم الرابطة القانونية القائمة بينهما وهي علاقة تتميز بخاصيتين أساسيتين أولهما أنها علاقة ثقة وثانيهما أنها مبنية على العنصر الشخصي فالحريف الذي استنجد بالمحامي ليدافع عن مصالحه وحقوقه وحتى عن كرامته وحريته له ثقة كاملة فيه فهو سيصبح مستودع سره وحافظ حججه ووثائقه بل أنه سيكون وكيل أمره وما دام الأمر كذلك فإن المحامي الذي أنيطت بعهدته رسالة الدفاع عن حريفه وهي رسالة أخلاقية لكن لها في نفس الوقت طابق قانوني باعتبارها وكالة تتضمن حقوقا لفائدة المحامي من أهمها حقه في الأتعاب وتحمله أيضا واجبات هامة التي على المحامي القيام بها وعدم الإخلال بها وإلا فإنه يصبح مسؤولا عن ذلك الإخلال الأمر الذي يطرح مسؤولية المحامي موضوع هذه الدورة وهو موضوع دقيق أنه يثير عدة مسائل منها ما هو أخلاقي تنظمه أخلاقيات المهنة ومنها ما هو قانوني باعتبار أن المحامي يتحمل تبعات إخلاله بالتزاماته عندما تثبت مسؤولياته المدنية والجزائية أو التأديبية كما أنه في صورة توفر شروط قيام المسؤولية تطرح مسألة آثارها وسنحاول في هذا التقرير التمهيدي الإشارة بصفة مجملة إلى مختلف هذه المسائل التي سيتناولها فيما بعد الزملاء بالتفصيل باعتبار أنه جرت العادة أن التقرير التمهيدي يتضمن كل شيء ولا يتعمق في أي شيء.
أولهما : ميدان مسؤولية المحامي ، وثانيهما : آثار المسؤولية.

ميـــــدان مســؤوليـــــة المحــامـــــي :

لعله يحسن قبل الحديث عن مسؤولية المحامي في معناها القانوني والتي توجب التعويض مدنيا إذا كان الخطأ مدنيا والمؤاخذة الجزائية إذا كان الخطأ جزائيا التمييز بين التصرفات المنافية لأخلاقيات المهنة وبين الإخلالات بالالتزامات التي ترتب المسؤولية المدنية أو الجزائية.
فقد عرف الفقهاء الأخلاقيات بالخصوص على السلوك الشخصي للمحامي الذي يجب أن يتميز بالسيرة الحسنة والالتزام بمبادئ الشرف والنزاهة والاستقامة والوفاء والمحافظة على كرامة المهنة ويتعلق الأمر هنا بأخلاقيات ذاتية مرتبطة بالسلوك الشخصي.
وتوجد أخلاقيات تنظم طريق التعامل بين المحامي وحرفائه وزملائه والقضاء والغير وحتى إزاء الخصوم. لا يودي الخلال بقواعد الأخلاقيات إلى المسؤولية المدنية أو الجزائية في كل الحالات إذ قد يرتب مجرد تنبه تأديبي إلا أنه في بعض الحالات ينتج عن المخالفة الأخلاقية مسؤولية المحامي مدنيا أو جزائيا ويتجه النظر في هذين العنصرين :

العنصر الأول : المسؤولية المدنية

إن دراسة هذا العنصر يقتضي النظر في طبيعة هذه المسؤولية وطبيعة الالتزامات المحمولة على كاهل المحامي وأخيرا الخطأ الذي يرتب المسؤولية المدنية.
أ) طبيعة مسؤولية المحامي :
لعل من أبرز المسائل القانونية المطروحة تحديد طبيعة مسؤولية المحامي هل هي تعاقدية أو تقصيرية.
يرى جل الفقهاء أنها مسؤولية تعاقدية نظرا لوجود عقد بين المحامي وحريفه وهو عقد توكيل خصام mandat ad litem ويخضع هذا العقد للقواعد العامة المتعلقة بالوكالة في القانون المدني.
ويرى اتجاه آخر أن مسؤولية المحامي هي مسؤولية تقصيرية أو شبه تقصيرية يرون أن العقد الذي يربط الحريف بالمحامي يكتسي صبغة النظام العام لأن الالتزامات الناشئة عنه والمحمولة على كاهل المحامي ليست ناجمة فقط عن اتفاق الإرادتين بل عن القوانين والتراتيب وأن هذا العقد ليس كتابيا وأن خطأ المحامي يتمثل في الإخلال بالتزاماته المهنية الناشئة عن واجب مصدره قانوني وترتيبي وليس بنود تعاقدية.
إلا أنه طهر اتجاه ثالث يرى أن مسؤولية المحامي تكون تعاقدية في صورة النيابة وذلك بمقتضى أحكام الوكالة أما إذا كانت مهمته مجرد المساعدة فإنه لا يسأل إلا إذا ارتكب خطأ وألحق ضررا.
والرأي عندما أن مسؤولية المحامي هي مسؤولية تعاقدية بالأساس إزاء موكله إذ أنه ولئن نظم القانون هذه العلاقة فإن ذلك لا يمحي الصبغة التعاقدية للعلاقة الرابطة بين الطرفين إذ أن مصدرها هو الاتفاق.
إلا أن مسؤولية المحامي تصبح تقصيرية إزاء الغير.
فالمحامي بوصفه وكيل خصام مسؤول إزاء موكله عن كل إخلال بالواجبات المحمولة عليه بمقتضى الوكالة طبق القواعد القانونية المنظمة للوكالة.
ومعلوم أن توكيل الخصام المسند للمحامي يتميز بعدة خصائص منها أنه لا يشترط لتكوينه كتب فالمحامي لا يحتاج إلى توكيل كتابي ليمثل حريفه.
كما أن هذه الوكالة هي أشمل من التوكيل العام العادي باعتبار أن المحامي يكلف بالقيام بجميع إجراءات رفع الدعوى وتسيير الخصومة بدون تحديد ولا تكون الوكالة محصورة في إجراء معين.
والمفروض أن الإجراءات التي يقوم بها المحامي في نطاق الخصومة تلزم موكله على أن بعض التصرفات الصادرة عنه تثير عدة مشاكل قانونية يتعلق بمدى تقيد الموكل بها مثل تقديم عروض أو قبولها أو صدور إقرار أو إبرام صلح وقد أقرت بعض التقنيات مثل المشرع التونسية أنه توجد بعض الأعمال التي لا تكون صحيحة وملزمة للموكل إلا بتفويض خاص وصريح منه مثل توجيه اليمين الحاسمة والإقرار القضائي وقبول حكم أو الإسقاط فيه والصلح والتحكيم والإبراء من دين.
كما توجد بعض الأعمال الأخرى الهامة التي لا يمكن للمحامي القيام بها بدون موافقة حريفه مثل الطعن بالزور والتجريح في الحكام وطلب إحالة قضية من أجل شبهة جائزة أو مؤاخذة الحكام وكذلك العقلة العقارية وأن مثل هذه الأعمال تكون باطلة إذا لم تتم بموجب تفويض صريح من الموكل فضلا على قيام مسؤولية المحامي.
ب) طبيعة الالتزام المحمول على كاهل المحامي :
من أهمل المسائل القانونية التي تطرحها مسؤولية المحامي تحديد طبيعة الالتزام المحمول على كاهله فهل هو التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية.
إن الجواب على هذا السؤال ليس مطلقا إذ يتوقف على طبيعة الأعمال التي يقوم بها المحامي ومعلوم أن عمل المحامي قد يكون قضائيا أو غير قضائي.
فبالنسبة للأعمال التي تتم في نطاق التوكيل على الخصام والتي تتجلى في النيابة فإنه يجب التمييز بين نوعين من الأعمال، أولهما الإجراءات التي يقوم بها المحامي في حق موكله مثل تحرير عريضة الدعوى ورفعها والقيام بالإجراءات القانونية أمام المحاكم والطعن في الأحكام فعندما يرتكب المحامي خطأ في هذه الإجراءات فإن الالتزام المحمول عليه هو التزام بتحقيق نتيجة مثل بطلان عريضة الجدوى بسبب خلوها من إحدى التنصيصات الوجودية أو رفع طعن بالاستئناف بعد انقضاء الأجل القانوني أو عدم تقديم بعض المؤيدات الضرورية لقبول الدعوى أو الطعن.
أما بالنسبة لبقية الأعمال التي يقوم بها المحامي في نطاق الوكالة على الخصام سواء كان حريفه طالبا أو مطلوبا فإن التزامه هو التزام ببذل عناية فالمحامي لا يضمن لموكله في كل الحالات ربح القضية فالحكم برفض الدعوى لا يرتب في كل الحالات مسؤولية المحامي إذا كان هذا الرفض ليس ناتجا عن أسباب شكلية.
كما أن مسؤولية المحامي عندما يقوم بعمل يندرج في نطاق المساعدة لدى القضاء فإنها لا تتضمن التزاما بتحقيق نتيجة فهو لا يسأل إذا قام بمرافعة منقوصة أو غير مقنعة أو لم يتفطن لبعض الدفوعات القانونية التي تكون لصالح موكله.
أما الأعمال غير القضائية التي يقوم بها المحامي مثل الاستشارات وتحرير العقود فإنها يمكن أيضا أن ترتب مسؤولية المحامي وإن الالتزام المحمول عليه قد يكون بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية.
يكون الالتزام بتحقيق نتيجة فيما يتعلق بصحة العقود التي يحررها المحامي من الناحية الشكلية فهو يضمن صحتها من هذه الزاوية.
أما في خصوص عمليات الاستشارة فإن الالتزام المحمول على كاهل المحامي هو التزام ببذل عناية لأنه مطالب أساسا بموجب النصح.
ويكون المحامي مسؤولا إذا ارتكب خطأ قانونيا فادحا كأن يعتمد في الاستشارة على نص قانوني ملغى أو على تأويل غير صحيح للقانون.
ج) الأخطاء التي يمكن أن ترتب مسؤولية المحامي :
يصعب تحديد قائمة في الأخطاء التي يمكن أن ترتب مسؤولية المحامي إلا أنه يمكن القول أن كل إخلال بالالتزامات والواجبات المحمولة على كاهل المحامي يرتب مسؤوليته المدنية سواء كان ذلك في نطاق النيابة أو المساعدة أو الاستشارة أو تحرير العقود.
وقد نصت جميع القوانين المنظمة لمهنة المحاماة على الواجبات المحمولة على المحامين والفروض أن أي إخلال بها يرتب المسؤولية إذا نتج عنها ضرر للحريف أو للغير وقد نصت تلك القانونين على مسؤولية المحامي إذا ارتكب خطأ صناعيا مثل المادة 35 من القانون التونسي المنظم لمهنة المحاماة المؤرخ في 07/09/1989 وفي هذه الصورة تكون المسؤولية مدنية.
على أنه في بعض الحالات يكون المحامي مسؤولا تأديبيا رغم عدم إلحاق أي ضرر بحريفه أو بالغير عندما يتصرف تصرفا منافيا لشرف المهنة والنزاهة واللياقة وعدم احترام أخلاقيات المهنة بصفة عامة حتى ولو لم ينتج عن ذلك خطأ مدني أو جزائي ولعل ما يميز المسؤولية التأديبية عن المسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية وهذا ما سيوضحه الزملاء فيما بعد.

العنصر الثاني : المسؤولية الجزائية للمحامي

إن المقصود بالمسؤولية الجزائية للمحامي هي الناتجة عن جرائم قد يرتكبها المحامي أثناء مباشرته لوظيفته ولا يهمنا الجرائم التي قد يرتكبها خارج مهنته إنها تخضع للقانون العام.
وتقتضي دراسة هذه المسؤولية النظر في أمرين أساسيين : أولهما طبيعة وأركان هذه المسؤولية وثانيهما الحصانة التي يتمتع بها المحامي والتي تحول دون مؤاخذته.
أ) أركان المسؤولية :
المفروض أن المسؤولية تقوم في صورة ارتكاب خطأ جزائي مكون لجريمة سواء كانت مخالفة أو جنحة أو جناية.
ومبدئيا يكون الخطأ عمديا ولكنه قد يكون ناتجا عن إهمال.
وهناك صنف من الجرائم يمكن أن يرتكبه المحامي عند ممارسته لعمله نذكر على سبيل المثال جرائم خيانة المؤتمن والتحيل (النصب) وإفشاء السر المهني.
فيما يتعلق بجريمة خيانة المؤتمن :
من المعلوم أن الحريف عندما يكلف محاميا للدفاع عنه مدنيا أو جزائيا قد يسلمه جملة من الوثائق الهامة حتى يدلي بها للقضاء والمفروض أنه عندما تنتهي مهمة المحامي يلتزم هذا الأخير بإرجاع الوثائق إلى صاحبها وقد نص الفصل 43 من قانون المحاماة التونسي على هذا الواجب وتضمن بالخصوص أنه لا حق للمحامي في جبس الرسوم والوثائق إلا بإذن على عريضة من رئيس المحكمة الابتدائية المختصة إذا رأى في ذلك ضمانا لحقوقه كما أن نفس المادة أوجبت على المحامي أن يسلم الأموال التي قبضها والراجعة لمنوبه إلى صاحبها في أجل محدد وإلا يقوم بإيداعها بالخزينة العامة.
فعندما يستولي المحامي على الأموال أو يتلف الوثائق التي تسلمها فإنه يرتكب جريمة خيانة المؤتمن.
فيما يتعلق بجريمة التحيل :
قد يرتكب المحامي هذه الجريمة بالخصوص عند تحرير بعض العقود وخاصة القوانين الأساسية للشركات إذا كانت وهمية أو إذا تأسست في نطاق عمليات نصب وكان هو على علم بذلكوفي هذه صورة يمكن أن يصبح متهما بهذه الجريمة وقد صدر في هذا المعنى قرار عن محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 30/09/1991.
كما أن المحامي قد يصبح مرتكبا لجريمة المشاركة في التحيل إذا عمد إلى تحرير عقد بيع نفس العقار مرتين وهو على علم بالبيع الأول.
فيما يتعلق بجريمة إفشاء السر المهني :
من المعلوم أنه عندما يتم ترسيم محام يؤدي القسم ويلتزم بالمحافظة على سر المهنة (الفصل 5 من قانون المحاماة التونسي) كما أن القانون الجنائي يعاقب كل شخص يفشي السر المهني باعتبار ذلك يمثل جريمة (الفصل 254 من المجلة الجنائية التونسية) كما أن القانون يمنع على المحامين أن يكشفوا عن معلومات تحصلوا عليها بمناسبة قيامهم بمهامهم وليس لهم أن يدلوا بشهاداتهم في شأنها (الفصل 100 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية).
كما أن الفصل 31 من قانون المحاماة التونسي حجر على المحامي الإدلاء بشهادة في نزاع أنيب أو استشير فيه.
كما أن الفصل 39 من نفس القانون حجر على المحامي إفشاء أي سر من أسرار منوبه التي أفضى له بها أو التي اطلع عليها بمناسبة مباشرته لوظيفته.
ويؤخذ مما تقدم أنه ليس للمحامي إفشاء السر المهني مهما كانت الظروف.
ولا جدال أن السر المهني يحمي المصالح الخاصة وهو يهم أيضا النظام العام.
وإن السر المهني يعطي للمحامين الحق في الصمت حتى إزاء السلطة القضائية أو الإدارية.
وبذلك فإنه لا يجوز للمحامي الكشف عن السر المهني.
على أن هذا الواجب يثير إشكالات إذا كان واجب الدفاع يقتضي الكشف عن السر المهني هذا من جهة ومن جهة ثانية هل يتعارض واجب السر المهني مع واجب آخر يتمثل في وجوب إعلام السلطة بارتكاب جرائم إذ أن القانون الجنائي يوجب إعلام السلطة بكل جريمة (يراجع الأمر المؤرخ في 09/07/1942 والمتعلق بالمشاركة السلبية وقد نص فصله الثاني على معاقبة الشخص الذي يكون على علم من قصد يخشى منه ارتكاب جريمة ولا يعلم بها السلطة العمومية وإلا فإنه يمكن اعتباره شريكا في الجريمة).
فهل يتغلب واجب كتمان السر المهني على واجب إعلام السلطة العمومية بالجرائم خاصة وأن الالتزام بالمحافظة على السر المهني هو التزام مطلق حتى أن بعض الدول اعتبرته قاعدة دستورية مثل القانون الألماني.
وقد أثير أخيرا هذا الإشكال بالنسبة للمحامين الذين قد يتعاملون مع المافيا والأشخاص الذين يتعاطون ترويج المخدرات وقد يسعون إلى بعث مشاريع بالأموال المتأتية من المخدرات عن طريق تبييظها فهل يمكن معاقبة هؤلاء المحامين من أجل المشاركة في ذلك وهل يجب عليهم إعلام السلط العمومية بهذه الأعمال.
لقد اتخذت المجموعة الأوروبية يوم 29 سبتمبر الماضي قرارا هاما بعد جدل كبير واحترازات متعددة لمقاومة عمليات تطهير الأموال يقضي بجبر المحامين على إفشاء السر المهني عندما يباشرون عملهم بصفتهم مستشارين قانونيين وقد تضمن هذا القرار أن أعضاء المهن القانونية الحرة مثل المحامين والعدول ومراقبي الحسابات ملزمين بإعلام السلطة بكل الشبوهات عندما يساعدون حرفائهم على القيام بمشاريع مثل بيع عقارات أو مؤسسات تجارية أو التصرف في أموال سندات أو حسابات بنكية.
على أن المحامين لا يخضعون لهذا الإجراء في صورة قيامهم بعمل النيابة أو الدفاع في نطاق إجراءات قضائية.
وبذلك فإنه وقع التمييز بين الأعمال القضائية التي يكون فيها السر المهني مطلقا والأعمال القانونية التي يكون فيها السر المهني نسبيا (يراجع صحيفة لوموند الفرنسية الصادرة في 02/10/2000 صحيفة 3).
ب) الحصانة :
من المبادئ القانونية الواقع إقرارها في جميع التقنيات تقريبا أن المحامي لا يؤاخذ من أجل الثلب أو الشتم أو القذف أو النميمة إذا قام بذلك أثناء المرافقات أمام المحاكم أو في الملحوظات التي يقدمها إلا إذا ثبت سوء نية طبق الفصل 46 من قانون المحاماة وقد تضمنت جل القوانين العربية وغيرها هذه القاعدة ولا شك أن أساسها هو احترام حقوق الدفاع وتمكين المحامي من القيام بواجبه بدون قيود وهو شكل من أشكال الحصانة.

آثــــــــار مســؤوليـــــة المحــامـــــي :

عندما تتوفر أركان المسؤولية فإنه يمكن القيام على المحامي مدنيا بالتعويض كما يؤاخذ جزائيا في صورة ارتكاب جريمة ويتجه النظر في هذين الصورتين.

أ) الآثار المترتبة عن المسؤولية المدنية :
عندما يرتكب المحامي خطأ مهنيا أو صناعيا فإنه يكون مسؤولا إزاء منوبه أو حتى إزاء الغير ويشترك حصول الضرروتثير ممارسة الدعوى المدنية بعض المسائل يمكن حصرها في أمرين :
1. كيفية تقدير الضرر :
قد تثأر هذه المسألة عندما يسأل المحامي لأنه لم يرفع الدعوى مثلا في الأجل القانوني وهنا لا بد للمحكمة من أن تنظر في ما فات الحريف من فرصة كسب القضية لو تم رفعها.
وهنا على المحكمة أن تنظر في الحظوظ التي قد تكون للحريف لو رفع دعواه.
أما إذا حكم في القضية ضد الحريف بسبب تهاون من المحامي فإن تقدير مدى قيام مسؤوليته قد يكون أسهل على أنه في كل الحالات لا يمكن أن يتعارض هذا التقدير مع قرينة اتصال القضاء.
2. أجل القيام بالدعوى المدنية :
لم تضبط جل قوانين المحاماة هذه المسألة ومبدئيا يجب الرجوع إلى القواعد العامة المتعلقة بالتقادم المسقط وذلك بالتمييز بين الدعوى المدنية المبينة على خطأ مدني وبين الدعوى المدنية المبنية على جنحة أو جناية ومبدئيا يقع العمل بالقواعد العامة المعمول بها في هذه المادة رغم أن بعض القوانين مثل القانون الفرنسي ضبط أجلا محددا لسقوط الدعوى بمرور الزمن وهو عشر سنوات بداية من انتهاء عقد الوكالة.
3. أجل شركة التأمين محل المحامي :
إذا كان المحامي مؤمنا فالمفروض أن شركة التأمين هي التي تحل محله في التعويض طبق قانون التأمين وفي حدود عقد التأمين مع الملاحظة أن القانون المؤرخ في 20/07/1998 والمتعلق بالشركات المهنية للمحامين أوجب على هذه الشركات أن تبرم عقد تأمين.
كما أنه إذا كان المحامي منخرطا في شركة مهنية للمحامين نتساءل هل أنه مسؤول شخصيا أم أن المسؤولية تتحملها الشركة.
لقد أجاب المشرع على هذا السؤال بالفصل 24 من قانون 20/07/1998 وقد اعتبر كل شريك مسؤولا إذا تسبب في مضرة الغير أثناء مباشرته لأعماله المهنية إلا أنه جعل الشركة المهنية التي يباشر فيها المعني بالتعويض عمله ضامنة له وملزمة بأداء المبالغ المستحقة إذ ثبت عدم قدرته على الوفاء جزئيا أو كليا ولها حق الرجوع عليه بالدرك.

ب) الآثار المترتبة عن المسؤولية الجزائية :
يؤاخذ المحامي جزائيا مبدئيا طبق القانون العام إذا ارتكب جريمة خارج مهنته.
أما إذا ارتكب جريمة أمام المحكمة فإنه يحرر محضر في الموضوع يحال على وكيل الجمهورية الذي يتولى إنهاء الموضوع إلى الوكيل العام ليقرر في شأنه ما يراه بعد إعلام رئيس الفرع الجهوي المختص.
وإذا كانت الجريمة المقترفة ضد هيئة المحكمة فإنه يمكن محاكمته حالا من طرف هيئة أخرى بعد استدعاء ممثل الفرع الجهوي للمحامين.
ونظم الفصل 45 من قانون المحاماة الإجراءات المتبعة في الأبحاث ضد المحامي المرتكب لجناية أو جنحة أثناء القيام بأعمال مهنته فهو يحال على قاضي التحقيق من طرف الوكيل العام ويتولى قاضي التحقيق استنطاقه بنفسه أو بواسطة أحد زملائه.
وهناك إجراءات خاصة بتفتيش مكتب المحامي إذ لا يتم ذلك إلا بحضور القاضي المختص ولا يجري التفتيش إلا بعد إعلام رئيس الفرع الجهوي للمحامين أو أحد أعضاء مجلس الفرع وتمكينه من الحضور.
وأما في صورة التلبس فإن مأمور الضابطة العدلية يقوم بكل الإجراءات ما عدا استنطاق المحامي إذ يبقى ذلك من اختصاص القاضي مع إعلام رئيس الفرع الجهوي المختص الذي له أن يحضر الاستنطاق.
ولا شك أن هذه الإجراءات ترمي إلى حماية المحامي من كل تعسف.
ولعل من بين المشاكل القانونية معرفة مدى إمكانية إقرار المسؤولية الجزائية لشركات المحامين إذا كانت مورطة في جريمة ما مثل التحيل وهذه المسألة تتجاوز في الحقيقة هذه الحالة بالذات لتشمل إشكالية المسؤولية الجزائية للذوات المعنوية.
ويمكن الاقتصار على تتبع المحامي المنخرط في الشركة والذي ارتكب الخطأ الجزائي دون حاجة إلى مؤاخذة الشركة كذات معنوية.